القدس تحت الحصار في رمضان وأخطر تصعيد للهيمنة على الأقصى

الصورة
المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى/ القدس المحتلة 20/2/2026 | منصة إكس
المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى/ القدس المحتلة 20/2/2026 | منصة إكس
آخر تحديث

مع إشراقة شهر رمضان المبارك، تكشفت في مدينة القدس ملامح مرحلة شديدة الخطورة، عنوانها إعادة هندسة الواقع الديني والسياسي في المدينة المحتلة، عبر أدوات أمنية يقودها وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير. 

المشهد في المسجد الأقصى المبارك لم يعد مجرد تشديد موسمي للإجراءات، بل مسار متدرج لتكريس هيمنة أمنية وأيديولوجية تمس جوهر العبادة وهوية المكان الإسلامية، في أخطر استهداف للوضع القائم منذ عقود.

خطة "الردع" وتغيير قواعد الاشتباك الديني

طرحت سلطات الاحتلال، بتوجيه مباشر من بن غفير، خطة تقوم على ما تسميه "الردع والحزم"، وتشمل:

  • تشديد القيود الأمنية على أبواب الأقصى.

  • توسيع سياسة الإبعاد.

  • منع إدخال وجبات الإفطار وتنظيم الأنشطة الدينية.

  • تمديد ساعات اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد.

هذه الإجراءات لا تقف عند حدود الضبط الأمني، بل تسعى، وفق تقارير إسرائيلية بينها ما نشرته صحيفة "معاريف" إلى إعادة تشكيل "الوضع القائم" في المقدسات الإسلامية، وفرض واقع أمني وديني جديد داخل الحرم القدسي.

اقتحام سياسي في الجمعة الأولى

في خطوة حملت رسائل ميدانية واضحة، اقتحم بن غفير منطقة باب المغاربة المؤدية إلى باحات الأقصى، تزامنا مع الجمعة الأولى من رمضان، برفقة المفتش العام للشرطة داني ليفي، وقائد لواء القدس أفيشاي فيلد، ومسؤولين أمنيين.

وأجرى داخل غرفة قيادة الشرطة في البلدة القديمة ما وصفه بـ"تقييم أمني"، قبل أن يخاطب عشرات عناصر الشرطة قائلا: 

"بالسيطرة والحزم نحقق الردع.. وهكذا يجب أن يكون في رمضان".

كما توعد باستخدام "اليد الحديدية" ضد من وصفهم بـ"مفتعلي الفوضى"، مؤكدا أن الردع القوي هو السبيل لضمان الهدوء. 

في المقابل، اعتبرت محافظة القدس، في بيان، أن هذه التصريحات تأتي في ظل تصاعد الإجراءات العسكرية والتضييقات المفروضة على المصلين في القدس المحتلة، خصوصا مع حلول شهر رمضان، وما يرافقه من قيود على حركة الدخول إلى المسجد الأقصى.

عسكرة البلدة القديمة وإحكام الطوق

استبقت سلطات الاحتلال رمضان بتحويل محيط الأقصى وأزقة البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية، عبر نشر آلاف من عناصر الشرطة و"حرس الحدود"، ونصب حواجز حديدية عند الأبواب، وفرض قيود عمرية وتصاريح مسبقة على القادمين من الضفة الغربية، ما حرم آلاف العائلات من الوصول إلى القدس.

كما واصلت تنفيذ خطط لوجستية للتحكم بأعداد المصلين، وأصدرت منذ مطلع العام أكثر من 250 قرار إبعاد بحق فلسطينيين، في سياسة تهدف بوضوح إلى تقليص الحضور الإسلامي في الأقصى خلال الشهر الفضيل.

استهداف الأوقاف وتقويض الوضع القائم

لم تقتصر الإجراءات على التضييق على المصلين، بل طالت صلاحيات الأوقاف الإسلامية في القدس، في اعتداء مباشر على دورها في إدارة شؤون المسجد.

وفي موازاة ذلك، سمحت شرطة الاحتلال، للمتطرفين من "جماعات الهيكل" المزعوم بأداء طقوس دينية علنية داخل باحات الأقصى، شملت الصلاة والغناء والسجود، في خطوة تعد تقويضا للوضع القائم منذ عام 1967، والذي ينص على أن الأقصى مكان عبادة خالص للمسلمين وزيارة لغيرهم.

تصعيد متواصل منذ الحرب على غزة

تسارعت هذه السياسة منذ تعيين قائد شرطة القدس الجديد أفشالوم بيليد، المقرب من بن غفير، وبخاصة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، حيث كثفت شرطة الاحتلال مداهمة الفعاليات الثقافية وإغلاقها بالقوة، وأصدرت أوامر إبعاد بحق مئات المقدسيين، وسرعت عمليات هدم المنازل، ونفذت حملات اعتقال وحواجز ومضايقات يومية.

ويأتي هذا كله ضمن سياق أوسع يهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على المجال العام في القدس، وربط الحضور الديني بموافقة أمنية مسبقة.

قراءة تحليلية: ردع أم هيمنة؟

يرى مختصون في شؤون القدس أن خطاب بن غفير لا يمثل تصرفا فرديا، بل يعكس توجه التيار اليميني المتطرف لإعادة تعريف العلاقة بين الفلسطينيين والمؤسسة الإسرائيلية، وفرض هيمنة أيديولوجية على المقدسات.

ويؤكدون أن مفهوم "الردع" المطروح يقوم على قمع العرب لا على تطبيق القانون، وأن تحويل الأقصى إلى ساحة استعراض قوة يهدد بإشعال مواجهة دينية، خصوصا مع السعي إلى تفريغه من المصلين المسلمين، مقابل حماية وتكثيف الاقتحامات الاستيطانية.

صمود شعبي في مواجهة مشروع التفريغ

للعام الثالث على التوالي، يواصل الاحتلال الإسرائيلي فرض إجراءات مشددة وغير مسبوقة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى المبارك، ما يحرم مئات الآلاف من حقهم في الوصول إلى مكان عبادتهم، إذ اشترط هذا العام الحصول المسبق على "البطاقة الممغنطة" سارية المفعول، إلى جانب استخراج تصريح إلكتروني عبر تطبيق "المنسق" المرتبط بما يسمى منسق حكومة الاحتلال الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، وهو ضابط في جيش الاحتلال. 

وقد تسببت هذه القيود بتكدس آلاف المصلين عند حاجز قلنديا شمالي القدس، حيث رفضت سلطات الاحتلال إدخال أعداد كبيرة بحجة اكتمال السقف المحدد ليوم الجمعة والمقتصر على 10 آلاف مصل فقط، بعدما كان العدد في سنوات سابقة يصل إلى مئات الآلاف.

وفي وقت سابق أفادت صحيفة هآرتس بأن جيش الاحتلال سيسمح بدخول الرجال الذين تزيد أعمارهم على 55 عاما، والنساء اللواتي تزيد أعمارهن على 50 عاما، والأطفال حتى سن 12 بمرافقة قريب من الدرجة الأولى يستوفي الشروط.

كما تلزم قوات الاحتلال المصلين بختم البطاقة الممغنطة عند الخروج عبر أجهزة خاصة أو تأكيد المغادرة عبر التطبيق باستخدام الكاميرا، ويفرض عليهم المرور بسلسلة طويلة من البوابات الحديدية ونقاط التفتيش لفحص الأعمار والتصاريح ومحتوياتهم الشخصية، في مشهد يعكس تحول الوصول إلى الأقصى إلى مسار أمني معقد ومذل، تفاقم بصورة لافتة منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، مع تقليص أعداد المسموح لهم بالدخول وفرض التصاريح على مختلف الأعمار دون استثناء.

ورغم القيود غير المسبوقة، توافد المقدسيون وفلسطينيو الداخل بأعداد كبيرة إلى الأقصى، وأطلقت مبادرات مجتمعية لتعزيز الرباط فيه، في رسالة واضحة برفض سياسات الإقصاء.

وهكذا يتحول رمضان هذا العام إلى اختبار حقيقي لإرادة شعب يرفض المساس بالقدس والأقصى، في مواجهة مشروع يسعى لفرض وقائع جديدة بالقوة، ما يجعل المدينة المقدسة على مفترق طرق بين الحفاظ على هويتها الدينية والتاريخية، ومحاولات تغيير واقعها القائم بالقهر والسيطرة. 

اقرأ المزيد.. إحراق مدخل مسجد في نابلس واعتقالات في الخليل وجنين

الأكثر قراءة
00:00:00