تتابع التطورات المتسارعة في فنزويلا، في ظل عملية أمريكية وصفت بالواسعة النطاق أدت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وما
من سيمون بوليفار إلى نيكولاس مادورو: مسار فنزويلا التي لم تعرف الاستقرار
تمثل فنزويلا واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية ثراء بالتنوع الطبيعي والبشري، وأكثرها مفارقة صارخة في مسارها السياسي والاقتصادي المعاصر. فمن بلد يطفو على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، إلى دولة تعاني انهيارا اقتصاديا غير مسبوق، تحولت فنزويلا إلى نموذج صارخ لتداخل الجغرافيا بالسياسة، والثروة بالفقر، والصراع الداخلي بالتدخلات الخارجية.
هذا التقرير يرصد ملامح الدولة الفنزويلية: أرضا وشعبا وتاريخا، ويحلل مسار أزمتها المركبة حتى عام 2025.
فنزويلا.. الهوية العامة للدولة
تحمل البلاد الاسم الرسمي جمهورية فنزويلا البوليفارية، وعاصمتها كراكاس، وتعتمد اللغة الإسبانية لغة رسمية، إلى جانب أكثر من 25 لغة للسكان الأصليين.
ويقوم نظام الحكم على نموذج فدرالي جمهوري رئاسي، منذ استقلالها عن الاستعمار الإسباني في 5 تموز 1811. أما العملة الوطنية فهي البوليفار الفنزويلي، الذي فقد خلال العقد الأخير معظم قيمته بفعل التضخم الجامح.
الموقع الجغرافي والتكوين الطبيعي
تقع فنزويلا على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية، مطلة على البحر الكاريبي، وتجاورها غويانا شرقا، والبرازيل جنوبا، وكولومبيا غربا، وتمتد على مساحة تقارب 912 ألف كيلومتر مربع، تتوزع على مناطق جغرافية كبرى وهي:
-
السهول الساحلية وحوض ماراكايبو.
-
المرتفعات الساحلية وجبال الأنديز.
-
سهول أورينوكو الواسعة.
-
مرتفعات غيانا الجنوبية.
ويعد نهر أورينوكو وبحيرة ماراكايبو من أبرز المعالم الطبيعية، إلى جانب تنوع بيئي نادر يشمل الغابات الاستوائية والهضاب والكثبان الرملية.
الثروات الطبيعية والموارد الاستراتيجية
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، والذهب، والحديد، والبوكسايت، والفحم، والطاقة الكهرومائية. غير أن هذا الغنى الطبيعي لم ينعكس بشكل استقرار اقتصادي، بل أصبح في كثير من الأحيان عنصرا مغذيا للصراع الداخلي والتجاذبات الدولية.
المناخ والخصائص البيئية
يسود فنزويلا مناخ استوائي حار ورطب، تتفاوت درجاته بحسب الارتفاع، حيث تتمتع المناطق الجبلية بمناخ معتدل إلى بارد، فيما تسجل المناطق الساحلية والسهول درجات حرارة مرتفعة نسبيا. كما يتباين معدل الهطول المطري بشكل كبير، من مناطق شبه قاحلة شمال غرب البلاد إلى غابات مطيرة غزيرة الأمطار في الجنوب.
التركيبة السكانية والدينية
يبلغ عدد سكان فنزويلا أكثر من 28.4 مليون نسمة وفق تقديرات 2024، وينحدر السكان من أصول أوروبية وإفريقية وعربية، إلى جانب السكان الأصليين.
يدين غالبية السكان بالمسيحية، حيث يشكل الكاثوليك النسبة الكبرى، يليهم البروتستانت، مع وجود أقليات دينية، ونسبة متزايدة من غير المنتمين دينيا.
الجذور التاريخية وبدايات الاستيطان
عرفت فنزويلا الاستيطان البشري منذ آلاف السنين، حيث عاشت قبائل الأراواك والكاريب على امتداد السواحل والأنهار. ومع وصول كريستوفر كولومبوس عام 1498، دخلت البلاد مرحلة الاستعمار الإسباني، الذي رسخ نظاما اقتصاديا قائما على الزراعة القسرية والعبودية، وهيمنة الكنيسة والجيش.
الاستعمار الإسباني وبذور الاستقلال
خضعت فنزويلا لثلاثة قرون من السيطرة الإسبانية، شهدت خلالها استغلالا واسعا للموارد وقمعا للسكان الأصليين، ومع مطلع القرن التاسع عشر، تصاعدت حركات التحرر بقيادة شخصيات بارزة، أبرزها سيمون بوليفار، الذي قاد حرب الاستقلال وأسهم في تأسيس كيان كولومبيا الكبرى.
من كولومبيا الكبرى إلى الدولة الوطنية
انهارت كولومبيا الكبرى عام 1830، لتولد فنزويلا دولة مستقلة، لكنها دخلت مرحلة طويلة من الاضطراب السياسي وهيمنة العسكر. واستمر هذا النمط حتى القرن العشرين، حيث لعب النفط دورا محوريا في تشكيل الدولة والاقتصاد.
الانتقال الديمقراطي وتقلبات الحكم
شهدت البلاد أول انتقال ديمقراطي حقيقي عام 1958، وتناوبت الحكومات المدنية على السلطة وسط فترات ازدهار نفطي وأزمات اقتصادية. غير أن الاعتماد شبه الكامل على النفط جعل الاقتصاد هشا أمام تقلبات الأسواق العالمية.
الثورة البوليفارية وتحول المسار
مثل وصول هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1998 نقطة تحول كبرى، حيث أطلق مشروع "الثورة البوليفارية" القائم على الاشتراكية وتوسيع دور الدولة. وعلى الرغم من شعبيته في بداياته، قادت سياساته إلى استقطاب سياسي حاد، وتراجع اقتصادي متدرج.
مرحلة مادورو والأزمة الشاملة
بعد وفاة تشافيز عام 2013، تولى نيكولاس مادورو الرئاسة، لتدخل البلاد مرحلة انهيار اقتصادي وإنساني عميق، تفاقم بفعل العقوبات الدولية، وسوء الإدارة، وتراجع إنتاج النفط. وتزامن ذلك مع احتجاجات واسعة، وانقسام سياسي حاد، وعدم اعتراف دولي بشرعية الحكم.
الاقتصاد: أرقام تعكس الانهيار
سجل الناتج المحلي الإجمالي نحو 108.5 مليار دولار عام 2025، مع نمو سلبي وتضخم تجاوز 180%. ويعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ أمريكا اللاتينية المعاصر.
المعالم الثقافية والطبيعية
رغم أزماتها، لا تزال فنزويلا تزخر بمعالم فريدة، من شلالات أنجيل، الأعلى في العالم، إلى أرخبيل لوس روكي، وحديقة كانايما المدرجة على قائمة التراث العالمي، فضلًا عن البانثيون الوطني الذي يضم رفات محرري البلاد.