استقرار رغم الأزمات، بهذه الكلمات وصفت وزارة الصناعة والتجارة في بيان لها الأمن الغذائي في المملكة، مبينة في البيان نفسه مخزون القمح والشعير
حفظ النعمة.. حين يتحول فائض الطعام إلى أمل متجدد
في مشهد يتجدد كل عام مع حلول شهر رمضان، تتسع في الأردن دوائر العطاء لتأخذ شكلا أكثر تنظيما ووعيا عبر مبادرات حفظ النعمة التي لا تكتفي بإطعام محتاج، بل تعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والغذاء، بين الوفرة والمسؤولية، وبين التكافل والاستدامة.
هذه المبادرات باتت تشكل رافعة إنسانية وبيئية واقتصادية، تعزز الأمن الغذائي وتحد من الهدر، في وقت تشير فيه التقديرات العالمية إلى أن نحو 1.3 مليار طن من الغذاء يهدر سنويا، أي ما يعادل ثلث الإنتاج العالمي، وهو رقم يكفي لإشباع مئات الملايين حول العالم.
مبادرات تتسع في رمضان وتستمر طوال العام
تنشط في الأردن مبادرات متعددة لجمع فائض الطعام من الفنادق والمطاعم والمناسبات، وإعادة توزيعه على الأسر المستحقة بآليات تحفظ السلامة والكرامة.
ويبرز شهر رمضان كموسم ذروة لهذه الجهود، حيث تتضاعف كميات الطعام الفائض وتتزايد الحاجة في الوقت ذاته.
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الزراعة الأردنية مبادرة "لا لهدر الغذاء" لدعم وتمكين المبادرات المحلية العاملة في إدارة الفاقد والهدر الغذائي، في خطوة تسعى إلى بناء منظومة وطنية تشجع السلوكيات الرشيدة في الاستهلاك وتعزز ملف الأمن الغذائي.
مشروع حفظ النعمة ينقذ نحو 373.200 كيلوغرام من الطعام
يقول المدير التنفيذي لجمعية بسمة الحياة يحيى أبو ذياب إن مشروع حفظ النعمة الذي أطلق عام 2022، يهدف إلى الإسهام في تحقيق رؤية التحديث الاقتصادي وأهداف التنمية المستدامة، عبر جمع فائض الطعام الصالح من الفنادق والمطاعم وإعادة توزيعه على الأسر المحتاجة.
وبدأت المبادرة بتوزيع 12.680 وجبة في رمضان الأول، ثم ارتفع العدد إلى 35.292 وجبة في 2023، و60.736 وجبة في 2024، وصولا إلى 84.184 وجبة في رمضان 2025.
بلغ إجمالي ما جرى إنقاذه من الهدر نحو 373.200 كيلوغرام من الطعام. ويعمل المشروع وفق اشتراطات صحية معتمدة وبموافقة الجهات المختصة، من خلال جمع الطعام النظيف بآليات آمنة ونقله بسيارات مبردة، قبل توزيعه بطريقة تحفظ كرامة المستفيدين.
بنك الطعام الأردني يعمل على إدارة فائض الطعام
من جانبها، تؤكد رئيسة بنك الطعام الأردني كوثر القطارنة أن البنك، الذي تأسس عام 2012، يعمل على إدارة فائض الطعام من الفنادق والمطاعم وإيصاله إلى مستحقيه طوال العام، مع تكثيف الجهود خلال رمضان.
وتشير إلى أن البنك حظي منذ انطلاقته بدعم رسمي ومجتمعي، ووقع اتفاقيات تعاون مع فنادق كبرى لضمان استدامة التوريد وتنظيم عمليات التوزيع وفق أعلى معايير السلامة.
حفظ الطعام ركيزة للأمن الغذائي
بدوره، يرى خبير الأمن الغذائي، فاضل الزعبي أن حفظ الطعام يشكل أداة استراتيجية لتعزيز الأركان الأربعة للأمن الغذائي:
-
التوافر.
-
الوصول.
-
الاستخدام.
-
الاستقرار.
فالتقنيات الحديثة في التخزين والتبريد والتعبئة تسهم في إطالة عمر المنتجات، وتقليل الفاقد، وبناء احتياطيات قادرة على مواجهة الأزمات.
ويضيف أن تقليل الهدر يخفف التكاليف على المنتجين والمستهلكين، ويمكن المزارعين من تسويق منتجاتهم لفترات أطول، ما يعزز استقرار دخولهم، ويقلل الضغط على الموارد الطبيعية من مياه وأراض وطاقة. كما أن الرقمنة وأنظمة الاستشعار الحديثة تتيح مراقبة ظروف التخزين بدقة، وتساعد في إدارة المخزون والتنبؤ بالطلب، بما يقلل الفائض غير المبرر.
مبادرات حفظ الطعام تسهم في إعادة تشكيل الوعي
على الصعيد الاجتماعي، توضح الأستاذة في الجامعة الأردنية هيا الطراونة أن مبادرات حفظ الطعام تسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي بقيمة الموارد، وتعزز الشعور بالتضامن والمسؤولية المشتركة حين يعاد توزيع الغذاء بطريقة منظمة وآمنة.
وتدعو إلى إدماج ثقافة الاستهلاك الرشيد في المناهج التعليمية، وإطلاق حملات إعلامية تسلط الضوء على الأبعاد البيئية والاقتصادية للهدر، وتشجيع المؤسسات على تبني سياسات تقلل الفاقد، مؤكدة أن الإعلام قادر على تحويل قصص النجاح إلى قناعة عامة وممارسة يومية.
العقبة نموذج للمسؤولية المجتمعية
وفي العقبة، أطلقت شركة أورباسير العالمية لإدارة المنشآت مبادرة حفظ النعمة بالشراكة مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ومديرية الصحة وقطاع الفنادق ومتطوعي مبادرة "اترك أثر".
ويوضح الدكتور محمد كريشان أن المبادرات هناك لا تقتصر على توزيع وجبات الإفطار، بل تشمل تنظيف المساجد، وتوزيع كوبونات دعم وطرود خيرية، وتنظيم إفطارات جماعية للأيتام والأسر المحتاجة، لترسيخ مفهوم العطاء المنظم.
ويؤكد متطوعون أن روح الفريق والعمل المشترك هي الأساس في إنجاح هذه المبادرات، بما يجعل رمضان موسما للتكافل الفعلي لا الشعارات، وفرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية وبناء مجتمع أكثر تماسكا ورحمة.
وهكذا، تتحول مبادرات حفظ النعمة من مجرد عمل خيري موسمي إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار لقيمة الطعام، ويجسد معاني التضامن، ويمنح الأمن الغذائي بعدا إنسانيا عميقا يتجاوز حدود الشهر الفضيل.
اقرأ المزيد.. اتفاقية لإنشاء مرصد الأمن الغذائي في منطقة المشرق العربي