المخدرات في الأردن: قنابل موقوتة تهدد الأسر والفزعة لا تكفي لمواجهتها

الصورة
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لعقاقير على الأرض | freepik
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لعقاقير على الأرض | freepik
آخر تحديث

تعد قضية المخدرات من أخطر التحديات التي تواجه السلم المجتمعي، فهي لم تعد مجرد مشكلة أمنية عابرة، بل تحولت إلى "قنابل موقوتة" تهدد استقرار الأسر. 

وفي ظل الحوادث المؤلمة التي هزت الرأي العام مؤخرا، مثل فاجعة مقتل المحامية زينة المجالي، على يد شقيقها المتعاطي، يبرز دور الوعي والتحرك الاستراتيجي كضرورة ملحة. 

وفي حديثه لـ حسنى أكد الدكتور موسى الطريفي، رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات، على ضرورة إطلاق استراتيجية وطنية تركز على أهمية الانتقال من رد الفعل المؤقت إلى بناء منظومة وقائية وعلاجية متكاملة تحمي الأجيال من مستنقع الإدمان.

من "الفزعة" إلى المنظومة الاستراتيجية 

ينتقد الطريفي الاعتماد على "الفزعة" أو ردود الفعل العاطفية التي تظهر فقط عند وقوع جريمة أو في المناسبات العالمية، داعيا إلى بناء منظومة عمل مستمرة على مدار 365 يوما في السنة، تتشارك فيها المؤسسات الإعلامية والدينية والاقتصادية والاجتماعية؛ بهدف خلق وعي دائم يجعل الرسائل التوعوية تصل للناس بشكل متواصل، لضمان تحصين المجتمع قبل وقوع الكارثة.

تزييف الإدراك: كيف تحول المخدرات المتعاطي إلى خطر داهم؟ 

يوضح الطريفي أن المخدرات تسبب هلاوس حسية وسمعية وبصرية، مما يؤدي إلى خلل كامل في إدراك الزمن والمسافة والقوة، وهذا الخلل يجعل الشخص يتخذ قرارات غير سليمة؛ فقد يعتقد المتعاطي أنه يمتلك قوة خارقة أو يسيء تقدير المسافات، فيقدم على أفعال خطيرة مثل القفز من مرتفعات ظنا منه أنه مسيطر، بينما هو في الحقيقة يفقد السيطرة تماما. ولا تقتصر هذه التأثيرات على أنواع محددة، بل إن كل المواد التي تذهب العقل، بما فيها الكحول، تؤدي إلى فقدان السيطرة وخلل الإدراك.

العلامات التحذيرية: كيف تكتشف الأسرة خطر التعاطي؟

حدد الطريفي مجموعة من الإشارات الحمراء التي يجب على الأهالي الانتباه إليها كدليل على احتمالية التعاطي، ومنها: 

  1. التغير المفاجئ في السلوك.

  2. طلب المال بإلحاح وبشكل غير مبرر.

  3. الكذب.

  4. السرقة.

  5. التغيب غير المبرر عن المنزل.

  6. العدوانية المتزايدة.

  7. اضطرابات النوم (زيادة الساعات أو نقصانها بشكل حاد). 

يرى الطريفي بأنها كلها مؤشرات تستوجب التحرك الفوري لسؤال المختصين قبل تفاقم المشكلة ووصولها إلى حد الاعتداء على المحارم أو الجيران.

الفحص المبكر وبناء جسور الحوار 

يدعو الدكتور الطريفي الأهالي إلى المبادرة بالحوار مع أبنائهم عند الشك، معتبرا أن الحوار يبني جسور الثقة ويشعر الأبناء بالاهتمام، كما أشار إلى توفر فحص الكشف المبكر عن المخدرات، حيث توفر الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات اتفاقيات مع مختبرات معتمدة لتقديم الفحص بسعر رمزي 10 دنانير أو مجانا للعائلات المحتاجة، بدلا من سعره المعتاد الذي يتراوح بين 30 إلى 40 دينارا.

يشدد الطريفي على أن دور الأسرة يتجاوز المراقبة، فالسؤال عن أحوالهم ومناقشة الشكوك معهم يعزز الثقة ويشعر الأبناء بالاهتمام والحماية. كما يجب على الأهالي التخلي عن "ثقافة الفزعة" أو ردود الفعل المتطرفة، والانتقال إلى المبادرة الواعية من خلال استشارة المختصين أو اللجوء للجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات عند الشعور بأي خطر، بعيدا عن الخوف من "وصمة العار".

التعامل السليم مع حالات تعاطي المخدرات

في حال تأكدت الأسرة من وجود حالة تعاطي، فإن التعامل السليم يتطلب:

  • عدم اليأس: الإيمان بأن الإدمان مرض قابل للعلاج مهما كانت درجة صعوبته.

  • السرية والمساعدة: إدراك أن مراكز العلاج الحكومية في الأردن توفر العلاج مجانا وبسرية تامة، والأهم من ذلك دون مساءلة قانونية لمن يتقدم للعلاج من تلقاء نفسه أو من خلال ذويه.

  • الرعاية اللاحقة: ضرورة استمرار الأسرة في دعم المتعافي بعد انتهاء العلاج لمنع الانتكاسة وضمان العودة السليمة للمجتمع.

إن استشعار الأسرة للخطر قبل وقوع الكارثة، واستخدام لغة الحوار بدلا من العنف، واللجوء للمختصين في الوقت المناسب، هو ما يحول دون تحول المتعاطي إلى "قنبلة موقوتة" قد تهدد أفراد الأسرة أنفسهم.

اقتصاد الجريمة والحروب السياسية 

وأشار رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات إلى ضخامة حجم تجارة المخدرات عالميا، والتي تصل إلى 900 مليار دولار سنويا، وهي ميزانيات تديرها عصابات دولية تحمي "نهر المال" هذا بكل الوسائل، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيرة "الدرونز" والعصابات المسلحة.

وأشار الطريفي إلى أن المخدرات تستخدم أحيانا كأدوات في الحروب السياسية، مستشهدا بما يفعله الاحتلال الإسرائيلي من تسهيل ترويج المخدرات بين الفلسطينيين لتدمير مجتمعهم، أو تهريبها عبر شاحنات معينة لنشر الفوضى.

كيف يؤثر إدمان المخدرات على مراكز المكافأة والسعادة في الدماغ؟

يؤثر إدمان المخدرات بشكل مباشر وعميق على مراكز المكافأة في الدماغ، وهي المناطق المسؤولة عن الشعور باللذة والسعادة، ويمكن تلخيص هذا التأثير في النقاط التالية:

  • تعطيل الإفرازات الطبيعية: في الحالات الطبيعية، يفرز الدماغ هرمونات مثل السيروتونين والدوبامين بمقادير محددة عند القيام بأنشطة ممتعة "مثل تناول وجبة مفضلة"، مما يعطي شعورا طبيعيا بالسعادة والمكافأة. إلا أن المخدرات تعمل كـ "معزز خارجي" قوي جدا يفوق قدرة الجسم الطبيعية، مما يؤدي إلى توقف الدماغ عن إفراز هذه المواد بشكل طبيعي اعتمادا على المحفز الخارجي.

  • انفجار كيميائي واختلال التوازن: عند تعاطي المخدرات، يحدث ما يشبه "الانفجار" في مستويات السيروتونين والدوبامين في الدماغ بسبب قوة المادة المخدرة التي لا تلتزم بالمقادير الربانية الطبيعية للجسم.

  • فقدان الاستمتاع بالحياة اليومية: نتيجة لاعتماد الدماغ على المصدر الخارجي "المخدر"، يصبح الشخص غير قادر على الاستمتاع بالملذات البسيطة التي يستمتع بها بقية البشر، مثل الطعام أو الحلويات؛ حيث يكتفي الدماغ بالشعور القوي المزيف الذي يمنحه المخدر فقط.

  • تزييف الإدراك والواقع: تؤدي هذه التغيرات الكيميائية في الدماغ إلى حدوث هلاوس حسية وسمعية وبصرية. هذا الخلل يجعل المتعاطي يرى "الصح خطأ والخطأ صح"، ويفقد القدرة على تقدير الزمن والمسافة والقوة؛ فقد يتوهم بامتلاك قوة خارقة أو يفقد السيطرة تماما على تصرفاته وهو يظن أنه مسيطر.

  • إنهاك الجهاز العصبي: تؤدي بعض المواد "مثل الأمفيتامينات" إلى إجهاد مراكز التحكم والجهاز العصبي المركزي، مما يفقد الشخص القدرة على التركيز أو استحضار المعلومات، ويجعل الدماغ في حالة "نوم" أو غياب رغم أن العينين مفتوحتان.

يحول الإدمان الدماغ من جهاز متوازن يستمد سعادته من الإنجازات الطبيعية إلى جهاز معطل يعتمد كليا على سموم خارجية، مما يقود في النهاية إلى حالات من الذهان وسوء الإدراك التي يصعب علاجها.

قانون المخدرات: فرصة ثانية للمتعاطي وعقوبة مغلظة للتاجر 

يحمي القانون الأردني الجديد المتعاطي لأول مرة من وصمة القيد الجرمي من خلال عدة إجراءات تشريعية تهدف إلى إعطائه فرصة للتوبة وإعادة الاندماج في المجتمع، وهي كالتالي:

  • عدم تسجيل قيد جرمي: ينص القانون الجديد على أنه لا يسجل بحق المتعاطي لأول مرة أي "قيد جرمي" في سجله العدلي، هذا الإجراء يمنع تحول المتعاطي إلى مجرم منبوذ قانونيا ويحميه من العواقب طويلة الأمد التي قد تترتب على وجود سوابق.

  • دفع غرامة مالية بدل العقوبة: عند إلقاء القبض على المتعاطي لأول مرة، يتم تحويله إلى مدعي عام الدولة ثم إلى قاضي محكمة أمن الدولة، والذي يحكم عليه عادة بالسجن لمدة تتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر، وبدل هذه العقوبة تُدفع غرامة مالية. وبما أن مدة الحبس المحكوم بها تكون أقل من 90 يوما، فإن القانون يسمح بدفع غرامة بدلا منها.

  • تجنب تدمير المستقبل المهني والاجتماعي: يوضح الدكتور الطريفي أن الهدف من عدم تسجيل القيد هو منع "شطب حياة الشخص"؛ فوجود قيد مخدرات يمنع الفرد من العمل، أو السفر، أو إكمال دراسته، مما قد يدفعه للانتكاس مجددا بسبب فقدانه للأمل.

  • السجل الخاص مقابل القيد الجرمي: بدلا من القيد الجرمي العام، يتم الاحتفاظ بمعلومات المتعاطي في "سجل خاص" لدى الجهات المعنية. هذا السجل ليس قيدا جرميا يظهر للعامة، بل هو وسيلة إدارية تهدف للتأكد من عدم تكرار الشخص لهذا الفعل.

  • فرصة التوبة المشروطة بعدم التكرار: يعد هذا الإجراء "إنذار من الدولة" للمتعاطي. فإذا عاد الشخص للتعاطي مرة أخرى فإن القيد الجديد والقيد القديم يعاد تسجيلهما وتفعيلهما بحقه كقيود جرمية كاملة.

  • الحماية من خلال العلاج الطوعي: يوفر الأردن ميزة إضافية، وهي أن المتعاطي الذي يتقدم للعلاج من تلقاء نفسه أو من خلال ذويه لدى المراكز الحكومية المختصة، لا تترتب عليه أي مساءلة قانونية، ولا تفتح بحقه قضية، ولا تفرض عليه غرامة أو حبس.

هذه السياسة القانونية لا تعني التهاون، بل هي رؤية استراتيجية تهدف إلى "خفض الطلب" ومنح المتعاطي فرصة ثانية قبل أن يتحول إلى مجرم مكرر

بوابات الجحيم المنسية التدخين والخمر مدخل عالم الإدمان

لم يقتصر حديث الدكتور موسى الطريفي على المواد المخدرة المحرمة قانونا فحسب، بل دق ناقوس الخطر بشأن مواد "مشروعة" اجتماعيا أو قانونيا، معتبرا إياها البداية الفعلية للانهيار السلوكي والعصبي، وكيف تتحول السيجارة وكأس الخمر من ممارسات عابرة إلى غرف أساسية في "بيت الإدمان" المظلم.

يعد الدكتور الطريفي التدخين العادي أولى بوابات الدخول إلى عالم المخدرات، ويوضح أن مادة "النيكوتين" الموجودة في التبغ تبدأ بالعمل على "مراكز المكافأة" في الدماغ، وهي المناطق المسؤولة عن إفراز هرمونات السعادة، الخطورة تكمن في أن الجسم عندما يتعود على هذا "المحفز الخارجي"، يتوقف عن إفراز هذه الهرمونات بمقاديرها الربانية الطبيعية، مما يجعل الشخص "عبدا" للسيجارة ليشعر بالراحة، وهي الخطوة الأولى في تدمير توازن الدماغ.

يؤكد الطريفي أن الخمور هي أم الخبائث وهي النوع الأول من أنواع المخدرات، وينطبق عليه تعريف منظمة الصحة العالمية للمواد المخدرة كونها مواد تذهب العقل، وتسبب خللا في الإدراك، وتؤدي إلى الإدمان.

ووصف الخمور بأنها ليست مجرد "بوابة" للمخدرات، بل هي "غرفة من غرف بيت المخدرات"، وبالرغم من كونها مرخصة لمن هم فوق سن 18 في القانون، فإنها تظل مرفوضة في الأديان كافة، وقد وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بـ "أم الخبائث" نظرا لما تجره من كوارث.

وكشف الطريفي عن حقيقة صادمة وهي أن الخمور مسؤولة عالميا عن النسبة الكبرى من الحوادث، ولا يقتصر ذلك على حوادث السير فحسب، بل يمتد ليشمل حوادث التعنيف المنزلي، وتعنيف المراهقين والأطفال والنساء، والمشاجرات في الشوارع، فالسكر يؤدي إلى فقدان كامل للسيطرة وخلل في تقدير الأمور، مما يجعل المتعاطي يرتكب جرائم أو حوادث وهو يظن أنه مسيطر على أفعاله.

الطريق إلى التعافي: الأمل موجود دائما 

يؤكد الدكتور الطريفي أن جميع أنواع الإدمان قابلة للعلاج، وأن الأردن يوفر مراكز علاجية حكومية تقدم خدماتها مجانا وبسرية تامة ودون مساءلة قانونية لمن يتقدم للعلاج من تلقاء نفسه. 

واختتم الطريفي بقصة "سارة" (اسم مستعار) من أكثر القصص المؤثرة الدالة على أن الأمل في التعافي موجود دائما، وأن معالجة حالة إدمان واحدة قد تنقذ أسرة كاملة من الضياع.

بدأت القصة عندما تواصلت فتاة تدعى "سارة" مع الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات وهي في حالة يأس شديد، حيث كانت تنوي الانتحار بعد أن "سكرت الدنيا بوجهها تماما" كما يقول الطريفي.

وكان السبب وراء هذه الحالة المأساوية هو إدمان والدها على المخدرات، وما ترتب عليه من تبعات اجتماعية قاسية؛ فقد طلق الأب والدتها، كما قام خطيب سارة بتركها وفسخ الخطوبة فور علمه بحالة والدها وإدمانه.

بادرت الجمعية بالتواصل مع الأب المدمن، ورغم أن الأب كان رافضا للعلاج في البداية، فإن الدكتور الطريفي اعتبر هذا الرفض "صرخة لطلب المساعدة"، وبفضل إصرار الجمعية وعدم فقدان الأمل، تم إقناع الأب بضرورة العلاج، وبالفعل خضع لبرنامج علاجي في أحد المراكز الحكومية المختصة.

تعافى الأب تماما من الإدمان، مما أحدث تغييرا جذريا في حياة الأسرة، فكانت أولى ثمرات التعافي هي عودة الدفء للبيت؛ حيث قام الأب بإعادة زوجته "والدة سارة" إلى عصمته، وأصلح حال الأسرة بعد سنوات من التفكك. 

بعد مرور سنتين على هذه الواقعة، تلقى الدكتور الطريفي رسالة تهنئة بالعيد من رقم غريب، تبين أنها من "سارة" التي أرادت شكر الجمعية، وأخبرتهم سارة في رسالتها أنها تزوجت وحملت وأنجبت طفلة أسمتها "ملك"، واصفة إياها بأنها كالملاك. 

تؤكد هذه القصة، حسب رؤية الدكتور الطريفي، أن التصرف السليم والاستعانة بالجهات المختصة يمكن أن يحول بيتا مدمرا وفتاة على حافة الهاوية إلى حياة جديدة مليئة بالأمل والمستقبل.

00:00:00