أين نحن من أمن الطاقة؟ (في ضوء حادثة انقطاع الكهرباء عن المملكة)

الصورة
2021-05-24

لا يخفى على أحد أن ما حدث يوم الجمعة في الساعة الواحدة و 18 دقيقة ظهرا" من انقطاع للتيار الكهربائي وشمل جميع سكان المملكة لم يكن ليمر دون تساؤلات عن أسبابه و ما ألحقه من خسائر و أين نحن من أمن الطاقة ومشاريع الربط وتصدير الكهرباء التي أشبعنا المواطن وعودا" بتنفيذها.

ولحساسية هذا الحدث الذي أقلق عشرة ملايين أردني لمدة تزيد عن أربع ساعات، فسأقوم بشرح وتحليل هذا العطل مستخدما" ما تيسر لدي من معلومات أولية حاولت جاهدا أن أنتزعها من الموجودين في قلب الحدث لعلي أكون صورة واضحة عن جزئيات العطل.

و هدفي من الكتابة في هذا الموضوع هو فقط لغايات علمية بحتة وليس تدخلا" في عملهم من قريب أو بعيد و أي انتقاد لتصرف أو إجراء تم فهو يمس الأداء ولا يمس الشخص المعني و مصلحة الوطن هي فوق كل المشاعر والاعتبارات.

 ما الذي حدث

يجمع كل من تحدثت إليه من المعنيين على أن الخلل قد بدأ من خط الربط الكهربائي حيث أن الشبكة المصرية كانت تشهد تذبذبات (Oscillations) مما دفع المشغل للشبكة الأردنية لفتح القاطع الكهربائي في محطة الربط وفصل الشبكة الأردنية عن الربط. بعد ذلك تطور الحدث وبدأ النظام يفقد استقراريته أولا" بأول حتى دخل في حالة من عدم استقرار كامل دون استجابة محطات التوليد لتعويض النقص في الطاقة المستجرة من الجانب المصري. رافق هذه العملية فصل تتابعي لخطوط الضغط العالي ومحطات التحويل إلى أن خرج النظام الكهربائي كاملا من الخدمة وحدث الإطفاء الشامل.

من المحزن أنه عندما تطلب الأمر القيام بعمل إعادة تشغيل(System restoration ) للوحدات بعد الإطفاء الشامل لم تعمل وحدات الاستجابة السريعة (Cold start) مما اضطر للاستعانة بالجانب المصري. إن الإطفاء الشامل قد يحث في زمن قصير جدا" ولكن إعادة تشغيل الوحدات يحتاج إلى وقت طويل ويمكن الحكم على جسامة الحدث بزمن إعادة التشغيل. ولم يفصح أحد من المسؤولين عن تسلسل الأحداث ربما لضيق الوقت وكان الجواب فقط بأنه لا توجد معلومات متوفرة عما حدث. مركز المراقبة والتحكم هو من يملك المفتاح لتسلسل الأحداث وبدون المعلومات المسجلة لدى جهاز تسجيل الأعطال وجهاز تسجيل الأحداث لن يتم معرفة ما حدث بالكامل.

بالرغم من هذه المعلومات الشحيحة يمكن تكوين صورة أولية عن تسلسل الحدث وتطوره مع تقديم بعض التساؤلات التي تدور في ذهن المهندس الكهربائي لا سيما من يملك الخبرة الفنية ويعرف تفاصيل ومكونات النظام وتعليمات الربط الكهربائي بين الدول. للأسف كنا نتوقع من الإيجاز الصحفي للوزيرة ولمدير عام شركة الكهرباء الوطنية كشخصين متخصصين أن يكونا أكثر مهنية في وصفهم لما حدث وأن لا تكون المفردات التي يستخدمونها ضبابية فليس الحدث عطل عابر كبقية الأعطال وليس المقام للإشادة بالجهود فينقلب الحساب تكريما وينقلب التقصير مكافأة.

لفهم الموضوع لا بد من الوقوف على ظاهرة التذبذب (Oscillations) وتكرارها في أنظمة الربط الكهربائي، علما" بأني سأفصل هذا الموضوع في مقالة أخرى ولكن أمر عليه هنا من باب أثره على نمط التشغيل وخروج الأنظمة الكهربائية عن الخدمة.

في معظم الحالات التي شهدها العالم عند حدوث التذبذب في أنظمة الربط الكهربائي كان الإجراء أن تخرج هذه الشبكات التي تعاني من ظاهرة التذبذب من الربط وتكمل عملها منفصلة. هذا الخروج من الربط هو جزء من بروتوكولات الربط تماما كما يحدث عندما تهبط الذبذبة إلى مرحلة متدنية فيصار إلى أن يقوم كل نظام بالعمل مستقلا". هذا الإجراء معروف ومدروس ومخطط له مسبقا من قبل جميع أنظمة الربط حتى يتم تثبيط التأرجح (Oscillation Damping). لذلك ، جميع أنظمة الربط العالمية تعرف هذه الظاهرة واستطاعت أن تتخلص من مشاكلها بنجاح عن طريق الفصل الأوتوماتيكي للأنظمة الكهربائية.

لذلك حتى لا يتم فقدان استقرارية النظام لا بد من تحديد النقاط التي تشهد ضعفا في تخفيض التذبذب وتقليل هذا التأرجح ولا بد من معرفة جميع المعلومات المتعلقة بمدة وذبذبة هذا التأرجح وهذا لم يتضح لحد الآن. ولكون ظاهرة التذبذب متنوعة وتحتاج إلى قياسات وتحليل لا سيما باستخدام ما يسمى تحليل ما بعد الحدث ( Post-event analysis) فلا بد أن يتم التركيز عليها في تحليل هذا الحدث.

إن ظاهرة التذبذب قد تنشأ من مصادر عديدة، وإذا صدقت الرواية أن التذبذب في الجانب المصري قد بدأ من محطة توليد العريش، فقد يكون الخلل نشأ من محابس التحكم في إحدى الوحدات التوليدية ( Control Valve mal function) أو من خلل تشغيلي في (phase unbalance relay ) في مهيج المولد. جميع هذه الحالات قد يرافقها تأرجح بذبذبة صغيرة قد تتوافق وتعمل رنين ( resonance ) مع النظام مما يؤدي إلى تذبذب بين الشبكات  الداخلة في منظومة الربط (Inter area oscillation ) أو بين أجزاء النظام الواحد.

إن تزايد دخول مصادر الطاقة المتجددة على نقاط الربط الكهربائي دون وسائل تحكم كافية يشير إلى تطور طبيعة النمط التذبذبي ويؤكد على الحاجة الماسة لعمل قياسات دائمة ومراقبة مستمرة لسلوك النظام الكهربائي لفهم تبعات هذه الظاهرة.

إن فصل الوحدات التوليدية القريبة من نقاط التذبذب يؤدي إلى تفاقم المشكلة ويصل أثرها إلى المناطق البعيدة عن نقطة الربط. لذلك من المهم معرفة نسبة التثبيط (Damping Ratio) في جميع نقاط الربط الكهربائي كما أنه لا بد من تطوير خوارزميات وبرامج وأدوات قياس ومراقبة التذبذب بشكل مستمر لتجنب تكرار هذه الحادثة.

 مزيد من التحليل

الكل يعرف أن الربط مع مصر هو من خلال الكيبل البحري بين العقبة وطابا وهذا يعني أن الخط الهوائي القصير من الجانب الأردني يتصل مع الكيبل البحري ثم يخرج خط هوائي إلى مصر. في علم الموجات وعلاقتها بخطوط النقل للكيبل والخط الهوائي اعتبارات مختلفة فلو نشأت موجه في خط هوائي وانتقلت إلى نقطة التقاء مع كيبل سيكون هناك انعكاس جزئي وانتقال جزئي لجهد وتيار هذه الموجة على اعتبار أن ممانعة الكيبل مختلفة عن ممانعة الخط الهوائي. بدون الخوض بالمعادلات الرياضية لقيم الجهد والتيار المنعكسة والعابرة عند نقطة الالتقاء فإن الأمر يعتمد على طول الكيبل وقد يظهر ارتفاع على الجهد إذا كان الكيبل قصيرا. لو نشأت الموجه من جهة الكيبل فإن ارتفاع الجهد يبقى أيضا قائما.

أن فتح القاطع عند نقطة الربط قد أدى إلى تركم الجهد على الخط الهوائي جهة الأردن ، ولكون الخط قصير والموجه تسير بسرعة الضوء فهي تقطع المسافة القصيرة بين محطات التوليد والقاطع المفتوح بزمن صغير جدا حيث لا تستطيع الحمايات الكهربائية أن تحس به. من جهة أخرى في كل شوط للموجة يتضاعف الجهد الكهربائي. لذلك، تتسارع عملية فقدان استقرارية النظام وينهار بزمن قصير جدا".

تساؤلات تحتاج إلى إجابة

إن هذه الحادثة تثير مجموعة من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابة أولها أين خطة الطوارئ التي يفترض العمل بموجبها عند حدوث مشكلة على نظام الربط ( contingency plan) . كيف تصرفت الحمايات الكهربائية على خط الربط قبل وإثناء وبعد فتح القاطع. أما السؤال الآخر الذي يحتاج إجابة فهو يتعلق بالتحكم الأوتوماتيكي للمولدات ( AGC: Automatic Generation Control) والتحكم الأولي ( Primary Control). أخشى ما أخشاه أنه لم يتم تفقد إرساءات هذه المولدات مما يذكرنا بحادثة قديمة حيث لم تستجب وقتها إلا الوحدة الرابعة في محطة العقبة الحرارية.

أما فيما يتعلق بالمعلومات التي يجب أن تكون معروفة للقائمين على هذا الأمر فهي مجموعة البيانات التي تتعلق بدراسات التذبذب والتي من أهمها مصدر هذا التذبذب ونوعه وشكله ونسبة التثبيط وقيمة الذبذبة وزمن بقاء هذا التذبذب. إن غياب هذه المعلومات وعدم تطوير نظم حديثة لدراسة هذا الموضوع وعدم متابعة الدراسات المتعلقة بتنسيق عمل الحمايات الكهربائية ( Protection coordination studies) في الشبكة الأردنية سيكرر المشكلة مرات عديدة.

أما فيما يتعلق بالفائض من الطاقة الكهربائية لدينا فإنه للأسف لم ينقذنا هذا الفائض عندما احتجنا إليه لإعادة التيار الكهربائي وتبين أن هناك نقص واضح في الاستعدادات المطلوبة للطوارئ. إن سرعة انهيار النظام الكهربائي تشير إلى أن هناك خلل في تركيبته وأن التسارع نحو فقدان الاستقرارية قبل أن يمر بمراحل أهمها انقسام النظام إلى جزئين في منطقة المركز الكهربائي للنظام تتطلب مراجعة سريعة لاستراتيجيات وأمن النظام الكهربائي.

إن خسائر النظام الكهربائي الناتجة عن هذا الانقطاع كبيرة جدا" فهي تشمل التعويضات التي ستدفعها شركة الكهرباء الوطنية لشركات التوليد من الرياح والطاقة الشمسية كما تشمل الخسائر التي تكبدها المواطن الأردني جراء انقطاع التيار الكهربائي لا سيما من يملكون أنظمة طاقة متجددة بالإضافة إلى الطاقة غير المباعة إثناء الانقطاع. جميع هذه الخسائر تحتاج إلى تقدير دقيق للوقوف على تبعات هذه المشكلة.

وأخيرا"‘ إلى متى سيبقى قطاع الطاقة حكرا" على فئة معينة من القائمين عليه، ينفردون بتقرير مصيره ورسم سياساته والتحكم بمستقبله وحجب الشفافية عن المواطنين في التعامل معه. إن قطاع الطاقة من أهم القطاعات في وقتنا الحاضر وهم المحرك الأساس لنمو البلد وحمايته وتطويره وهو ضمان لتجنيب الدولة مزيدا من الخسائر الفادحة. أعتقد أن هذه الحادثة يجب أن تضع حدا" فاصلا" لهذا السلوك الخطير.

إن الأسئلة كثيرة ولكن سقف توقعاتنا بالحصول على إجابة شافية منخفض جدا".

التوصيات

انطلاقا مما توفر لدينا من معلومات قليلة عن الحدث وما بنيناه من نموذج وسيناريو لما جرى فإننا نوصي بالآتي:

  1. يجب على القائمين على النظام الكهربائي في الأردن عمل دراسات معمقة لظاهرة التذبذب لنظامنا الكهربائي ولنظام الربط كامل بالتعاون مع الدول المجاورة من أجل تحديد المولدات التي تدعم هذه الظاهرة السلبية. كما أنه من الضروري عمل دراسة تقيس تحسس أجزاء النظام للتذبذب ( Sensitivity Study).
  2. يجب تفقد واعتماد توليد احتياطي يكون سريع التشغيل لتقويم محطات التحويل في حال توقفها وحاجتها إلى مصادر احتياطية لتشغيلها.
  3. إعادة النظر بمولدات الرياح وعدم فصلها عن الشبكة إلا للضرورة لأنها مصدر يمكن الاعتماد عليه عند فقدان التوليد التقليدي لا سيما وأنها تساعد في تثبيط التذبذب بسبب القصور الذاتي العالي.
  4. عمل قياسات حديثة باستخدام وحدة قياس الطور (PMU: Phase Measurement Unit) وتطوير نموذج معياري لهذه القياسات لتحليل التذبذب. كما أنه من الضروري توسعة تغطية هذه القياسات لتشمل جميع أجزاء لنظام الكهربائي.
  5. تطوير المفاهيم المتعلقة بالتذبذب لدى المهندسين القائمين على هذه الدراسات وإجراء عملية شاملة لمراجعة أنظمة الحماية الكهربائية وإرساءتها.
  6. تتبع مصادر تكون التذبذب سواء" كان من النوع منخفض الذبذبة أو عالي الذبذبة أو الطبيعي أو الإجباري
  7. تدريب المهندسين القائمين على الدراسات لزيادة المعرفة بهذا الموضوع
  8. إجراء توعية كاملة للجمهور حول كيفية التصرف في حال انقطاع التيار الكهربائي لا سيما المرافق الحيوية مثل المستشفيات والمختبرات الطبية ومحطات الإرسال وجميع المشتركين الذين لديهم أحمال كهربائية حساسة لهذا التذبذب مثل أجهزة التكييف والثلاجات الحديثة وجميع الأجهزة الإلكترونية.
00:00:00