الانتماء الذي لا يتعارض

الصورة
رجل يحمل مجسم الكرة الأرضية | تعبيرية magnific
رجل يحمل مجسم الكرة الأرضية | تعبيرية magnific
آخر تحديث

ليست المشكلة في أن ينتمي الإنسان إلى دوائر متعددة، بل في أن يتعلم كيف يجعل هذه الدوائر متكاملة لا متصارعة. فالإنسان ابن عائلة، وابن بلدة، ومواطن في وطن، وعضو في أمة أوسع؛ وليس مطلوبا منه، لكي يخلص لواحدة منها، أن يتخفف من سائر انتماءاته أو ينقلب عليها. بل لعل أرقى صور الانتماء هي تلك التي تتسع كلما نضج الإنسان، حتى يصبح وفاؤه للجزء تدريبا على الوفاء للكل، وخدمته للدائرة الأقرب إعدادا لخدمة الدائرة الأوسع.

الانتماء الحضاري إلى الوطن بصناعة الإنجازات

فالانتماء إلى العائلة معنى نبيل ما دام يحمل صاحبه على البر والصلة والتكافل وحفظ الجميل، لا أن يتحول إلى عصبية تمنح القريب ما ليس له، أو تحجب الحق عمن ليس من أهله. والعائلة التي تربي أبناءها على أن مصالح الناس لا تُؤكل من أجل مصالحها، وأن العدالة مقدمة على القرابة حين تتعارضان، لا تضعف انتماء أبنائها إليها، وإنما ترتقي به من رابطة الدم إلى فضيلة أخلاقية.

وكذلك الانتماء إلى البلدة؛ أن تحب المكان الذي نشأت فيه، وتحفظ ذاكرته، وتفرح لأهله، وتسعى إلى ازدهاره، ليس انغلاقا ولا مناطقية. إنما تبدأ المشكلة حين تصبح حدود المكان حدودا للعقل والقلب، وحين يُنظر إلى نجاح بلدة أخرى بوصفه خسارة، أو إلى حصولها على حقها كأنه انتقاص من حقنا. أما الانتماء الناضج فيقول: أريد لبلدتي أن تنهض، لأن نهوضها لبنة في نهوض الوطن، وأريد لسائر بلداته أن تنهض للسبب نفسه.

ومن هنا يصبح الوطن مساحة الجمع الكبرى، لا ساحة التنافس بين الانتماءات الصغيرة. فالوطن القوي لا يحتاج إلى محو العائلات والبلدات والخصوصيات، وإنما يحتاج إلى تهذيبها وربطها بمشروع عام. والتنوع حين تضبطه العدالة يتحول إلى ثراء، والخصوصيات حين يحرسها الشعور بالمصير المشترك تصبح روافد للقوة، أما حين تنفصل عن المعنى الوطني الجامع فإنها قد تتحول من مصادر للتماسك إلى شقوق يتسلل منها التفكك.

والانتماء إلى الوطن نفسه لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق؛ فالوطن القوي، الواثق من ذاته، ليس خصما لأمته، بل مساهم فاعل في قوتها. وخدمة الأمة لا تبدأ بالشعارات الكبرى، وإنما تبدأ من بناء الأوطان التي تتكون منها. فحين نبني تعليما جيدا، واقتصادا منتجا، ومؤسسات كفؤة، ومجتمعا متماسكا، وإنسانا حر الإرادة كريم النفس، فإننا لا نخدم وطنا منفصلا عن أمته، بل نضيف إلى رصيد الأمة قوة حقيقية. الأمة الضعيفة لا تقوى بأوطان ضعيفة، كما أن الوطن لا يصبح أكثر وطنية حين يعزل نفسه عن امتداده الحضاري والإنساني.

وهنا تتغير دلالة الانتماء نفسها؛ فلا يعود الانتماء سؤالا عن: "من نحن؟" فقط، بل يصبح سؤالا آخر أشد أهمية: "ماذا نضيف؟". فمن السهل أن نفتخر بعائلة أو بلدة أو وطن أو أمة، لكن القيمة الأعمق أن نسأل ماذا قدمنا لما نفتخر بالانتماء إليه. الانتماء الذي يستهلك الأمجاد انتماء عاطفي، أما الانتماء الذي يصنع إنجازا جديدا فهو انتماء حضاري.

التربية على الانتماء الحضاري تحول الاختلاف إلى مشروع للتمكين

ولهذا ينبغي أن نربي أبناءنا على الانتماء بوصفه مسؤولية لا امتيازا، وعطاء لا مطالبة دائمة، وواجبا قبل أن يكون حقا. نعلم الطفل أن يحب عائلته دون أن يحتقر عائلة أخرى، وأن يعتز ببلدته دون أن ينتقص من بلدة أخرى، وأن يفخر بوطنه دون أن يحتاج إلى ازدراء وطن آخر، وأن ينتمي إلى أمته دون أن يفقد قدرته على رؤية الإنسان في الآخرين. فالانتماء الواثق لا يحتاج إلى عدو لكي يثبت نفسه، ولا إلى إقصاء الآخر لكي يشعر بقيمته.

وإذا نجحنا في بناء هذه النفس، تحول اختلاف الخصوصيات من احتمال للتمزيق إلى مشروع للتمكين؛ إذ يصبح لكل جماعة شيء تضيفه، ولكل منطقة ميزة تستثمرها، ولكل تجربة معرفة تقدمها، ويغدو التنوع أشبه بتوزيع للأدوار داخل مشروع واحد. عندئذ لا نسأل كيف نتخلص من اختلافاتنا، بل كيف نحسن إدارتها، ولا كيف نجعل الناس متشابهين، بل كيف نجعل اختلافهم منتجا تحت سقف الغاية المشتركة.

والبناء هنا ليس ترفا يؤجل إلى ما بعد التحرر والاستقلال؛ إنه أحد أهم شروطهما. فالأوطان لا تتحرر حقا بمجرد زوال الهيمنة عنها إذا بقيت عاجزة عن إنتاج غذائها ومعرفتها وتقنيتها وقرارها. وكل مدرسة جيدة، وكل مؤسسة عادلة، وكل مشروع منتج، وكل عقل حر، وكل جامعة تصنع معرفة، إنما يضيف حجرا إلى جدار الاستقلال. البناء بهذا المعنى فعل تحرر طويل النفس؛ لأنه يقلل مساحة الحاجة، وكلما انخفضت الحاجة اتسعت مساحة القرار الحر.

المشروع الحقيقي هو تحويل طاقة الانتماء إلى طاقة بناء

ولذلك فإن المشروع الحقيقي ليس أن نحشد الناس خلف انتماءاتهم، بل أن نحول طاقة الانتماء إلى طاقة بناء. أن يصبح حب العائلة باعثا على صناعة أفراد صالحين، وحب البلدة دافعا إلى تنميتها، وحب الوطن التزاما بإتقانه وحمايته وتقدمه، والانتماء إلى الأمة حافزا للمساهمة في نهضتها. هكذا نصنع سلسلة صاعدة من المسؤوليات، بدل أن نصنع هرما من العصبيات تتصارع طبقاته.

وفي قلب هذا كله يقف المثقف الواعي، ليست مهمته أن يكون شاعر العصبيات، ولا أن يجمّل لكل جماعة أوهام تفوقها، ولا أن يتكسب من إثارة حساسيات الهوية، وإنما أن يساعد الناس على رؤية الصورة الأوسع دون أن يحتقر تفاصيلها. أن يحترم الخصوصيات لكنه يمنعها من التحول إلى أسوار، وأن يصون الذاكرة لكنه لا يسمح لها بأن تصبح سجنا، وأن يعزز الاعتزاز دون أن يزرع الاستعلاء، وأن يذكّر كل دائرة بأنها لا تكتمل إلا بما هو أوسع منها.

المثقف الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن جذوره لكي يكون واسع الانتماء؛ بل يعلمه كيف يمد جذوره عميقا، ثم يجعل أغصانه أكثر اتساعا؛ فالشجرة لا تخون جذورها حين تظلل من لا يعرفها.

وهذا، في جوهره، هو الانتماء الذي نحتاج إليه: انتماء يبدأ من البيت ولا ينتهي عند بابه، يحب البلدة ولا يحاصر نفسه بحدودها، يبني الوطن ولا يعزله عن أمته، ويخدم الأمة دون أن ينغلق عن الإنسانية. انتماء لا يبحث عمن يستبعده، بل عما يستطيع أن يضيفه؛ ولا يجعل من الهوية خندقا، بل يجعل منها منصة للبناء.

حينها لا تصبح انتماءاتنا احتمالات كامنة للتفكك، بل دوائر متسعة للقوة: عائلة تبني الإنسان، وبلدة تبني المجتمع، ووطن يبني القدرة، وأمة تجمع الطاقات. ومن هذا التدرج يولد الاستقلال الحقيقي؛ لأن أعظم صور التحرر أن نبني من القوة ما يجعل قرارنا بأيدينا، ومن الوعي ما يجعل اختلافنا مصدر غنى، ومن الانتماء ما يجعل كل واحد منا يرى في نجاح الدائرة الأوسع اكتمالا لدائرته، لا انتقاصا منها.

دلالات
الأكثر قراءة
00:00:00