الثورة

الصورة
2021-06-01

سوف نتناول في هذه السلسلة من المقالات حديثا مفصلا عن الثورات من الميلاد إلى عوامل النجاح والفشل، البيئات الحاضنة للثورات، كيف تنجح الثورات، ولماذا تخفق في بعض الأحيان، وما هي الثورات المضادة؟ وكيف تنجح؟

ميلاد الثورات

  •  لا ثورة بلا حرية

الثورة لا يمكن أن تجد مصطلح وتعريف معين لكلمة الثورة ويمكن تعريف الثورات من زوايا مختلفة، إلا أننا سنقوم بتعريف الثورة الناجحة من حيث الغاية المرجوة منها بأنها حركة اجتماعية مفاجئة تهدف إلى تغيير النظام السياسي القائم واستبداله بنظام سياسي آخر للوصول إلى حالة الحرية المطلقة المحكومة بسقف القانون الراشد في إدارة الشؤون العامة.

غاية الثورة الناجحة ومنتهاها هو الوصول للحرية، فكل ثورة لا تصل إلى الحرية لا يمكن وصفها بالثورة الناجحة، وما دون الوصول للحرية تكون الثورة ليس أكثر من حالة تمرد أو انتفاضات أو احتجاجات تعيد إنتاج أشكال العبودية وتطيل عمر الاستبداد ،وإن كان بهياكل وأشكال مختلفة.

عمق الثورات وحجمها ليس مهما في تعريف الثورة الناجحة، ليس مهما حتى نصف أي تحرك بأنه ثورة ناجحة، إسقاط النظام وكل المنظومة الكاملة  في كل مفاصل الدولة كما حصل في الثورة الفرنسية الناجحة والثورة الإيرانية ، أو إسقاط رأس النظام وبقاء المنظومة  الحاكمة كما حصل في الثورة المصرية، أو حتى بقاء رأس النظام وتجريده من كل الصلاحيات وتحويله إلى  حاله رمزية شرفية، فالمعيار في وصف العمل بأنه ثورة حقيقية وناجحة هو النتيجة التي تصل إليها، تكون الثورة ثورة حقيقة وكاملة وناجحة متى ما وصلت إلى حالة الحرية السياسية المطلقة المحكومة بسقف القانون الراشد وحكم الشعب لنفسه، بعيدا عن الاستبداد.

ليس مهمًا في تعريف الثورة شكلها إذا ما كانت ثورة بيضاء سلمية، أو ثورة حمراء مصبوغة بالعنف والدماء ما دامت الثورة قد حققت نتيجتها في تحرير إرادة الناس وحققت لهم حريتهم في حكم أنفسهم وأطلقت إرادتهم في تقرير مصيرهم.

الثورات يمكن أن تكون باتجاه الأنظمة المستبدة الداخلية كما حصل في الثورة الفرنسية ويمكن أن تكون بمواجهة المستعمر الخارجي والمرتزقة المحلية كما حصل في الثورة الأمريكية التي قادها جورج واشنطن ضد الإنجليز.

الثورات والحركات الاجتماعية والسياسية التي لا تحقق غاية الثورة بالحرية التامة، ورد سلطة الشعب للشعب، يمكن أن نطلق عليها احتجاجات غضب أو حالات انتفاضة مجتمعية أو حالات تمرد مسلحة، لكن بكل تأكيد لا يمكن أن نطلق عليها مصطلح ثورة ناجحة إذ أن لب الثورة هي الحرية ،ولا ثورة بلا حرية سياسية كاملة.

  • البيئة الحاضنة للثورات

الثورات حالة من التراكمات والاختناقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة والتي تصل إلى حالة الانسداد في الأفق فتنفجر بصاعق اللحظة التاريخية فيكون الانفجار الكبير الذي يشكل الثورة .

و عادة ما تكون البيئات التي تحتضن الثورات متشابهة في كل البلاد التي تشهد حالة من الثورة سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

الأسباب الاقتصادية

 قد تكون حالة التردي الاقتصادي هي الرحم الولود لمعظم الثورات ويمكن إجمال مظاهر هذا التردي بالتالي:-

عجز الأنظمة الريعية: تعتبر الأنظمة الريعية هي من أبرز حواجز الصد المنيعة لوقع الثورات والاضطرابات السياسية، فإنفاق الدولة على الأفراد، ووجود البطالة المقنعة والتوظيف الحكومي، وتقديم الأعطيات و"الصرر المالية"، من أبرز الأسباب التي تطيل أعمار الأنظمة المستبدة.

طرائق الحكم الريعي تجعل الشعوب تغض النظر عن الحريات السياسة والحكم الرشيد ما دامت تلك الأنظمة تتحقق لها حاجاتها الأساسية دون بذل المجهود، لكن الأنظمة الريعية لا تستطيع الصمود طويلا في هذه الطريقة في إدارة الدول والإنفاق وشراء الصمت الشعبي، وما أن تبدأ الدول في التقهقر المالي والعجز عن الإنفاق الريعي والفشل في الانتقال الآمن من النظام الريعي المترف إلى النظام الإنتاجي تبدأ حركات الاحتجاج والتململ الاجتماعي ومن أنصار النظام نفسه.

البطالة 

هي أساس المشكلة التي تضعف الأنظمة المستبدة، البطالة تلد الكثير من المشاكل المستعصية، فهي الأم الحقيقية للجوع والفقر والجهل والمرض، فكل شاب أو فتاة عاطل عن العمل هو مشروع ثائر وخلية ثورية كامنة وبركان إحباط قابل للانفجار في أي وقت، وخاصة إذا كان ذلك الشاب وتلك الفتاة من الطبقات المتعلمة تعليما عالياً.

الفساد الاقتصادي 

 أكثر شيء قاتل للأنظمة المستبدة هو  الفساد، وهو  الفأرة التي تقضم أركان العروش،  وإن كان بحقيقته عرض لمرض الاستبداد وملازم له، إلا أنه العرض الذي يكشف صاحبه ويلفت الأنظار إليه ويثير من حوله عليه، فلا تموت الأنظمة ولا تولد الثورات إلا من رحم الفساد الذي يمد بفمه الشره إلى قوات الفقراء والطبقات الوسطى ويأكل لقمهم من خلال مؤسسات الدولة ونظامها بتضخيم الضرائب والمكوس والإبداع في طرق جني أموال الناس بالباطل.

ظهور الطبقية 

 عندما تستشري الطبقية في المجتمع وتتأكل الطبقة الوسطى وتتحول المجتمعات من ثلاث طبقات إلى طبقتين ( طبقة الفقراء وطبقة الأغنياء)، وتستحوذ الطبقة الأخيرة طبقة الأقلية على معظم الثروات بينما تعاني الطبقة الفقيرة ذات الأغلبية المجتمعية على الفتات، عندما تتوحش الطبقية في المجتمع ، نكون قد أعطينا الثورة إكسير الحياة، وصرخة الميلاد الأولى؛ فالثورات تقرع طبولها على قرقعة أمعاء الجياع.

أسباب سياسية 

هذه الأسباب تخص النخب السياسية المثقفة وعادة ما تكون الشعوب غير مهتمة ومعنية بها بشكل عام، لكن الثورات كما تحتاج إلى سواعد المجتمعات فهي تحتاج إلى عقول النخب التي توجهها وتحرضها وأهم هذه الأسباب:-

غياب الحريات

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان المثقف، الحديث عن الحريات وعلى رأسها الحريات السياسية، وحرية التعبير وحرية المشاركة في الحكم وتقرير المصير، ليستخرج الشعب من بينه أفضل ما عنده من الكوادر البشرية لحكم نفسه.

وإن  كانت الحرية السياسية والمطالبة بالحكم الرشيد لا تهتم بها إلا النخب السياسية على اعتبارها العامل الأهم في تطور الدول ونهضتها، عدم اهتمام الناس والطبقات الاجتماعية بالحرية يكون بشكل مؤقت ما دامت المجتمعات قادرة على الحصول على حاجاتها اليومية من الأنظمة المستبدة، إلا أن الحرية والحكم الرشيد تصبح من أهم أولويات المجتمع كأسلوب للخروج من الأزمات عندما تكون هناك نكسات اقتصادية و يتفشى الفقر و الجوع و المرض و البطالة، فالحرية الوصفة المجربة التي تقنع بها النخب السياسية الجماهير؛ للخروج من الأزمات التي حلت بهم.

غياب العدل والمساواة

عندما تقوم الأنظمة المستبدة بإلغاء مفهوم المواطنة وتعامل المجتمع بناء على معايير مختلفة وفقا للون أو الدين أو العرق أو الجنس أو الأصل أو المنبت فان الشعور بالاضطهاد العنصري والتمييز بين الناس في الحقوق والواجبات يكون بمثابة الشرارة الأولى لقيام الثورات، و خاصة إذا كان هذا التمييز لصالح الأقلية على حساب الأكثرية، لكن إذا كان التمييز بين طبقات المجتمع لصالح الأغلبية على حساب الأقلية فهنا الأنظمة المستبدة تؤسس للاضطرابات الاجتماعية والحروب الأهلية.

انسداد الأفق في الإصلاح السياسي

إذا فقدت النخب السياسية الأمل في أن يكون هناك إصلاح قادم،  فإن اليأس يدفعها لرفع  سقف مطالبها والتي عادة ما تواجهها الأنظمة بالقمع والتنكيل فتظهر المعارضات الخارجية،  و هنا تكبر الفجوة السياسية بين الأنظمة ومعارضتها،  و يتم تقسيم النخب إلى موالي ومعارض، فيتم تقريب الموالي و لو كان تنقصه الكفاءة، و يتم استبعاد النخب و لو كانت من أصحاب الكفاءة، فتزيد حالة الاحتقان و يصل الطرفان إلى حالة النزاع الصفري الذي يريد كل منهم  التخلص من الآخر و إبعاده عن المشهد، لكن كل من في السلطة عادة يخسر الجماهير، و من في المعارضة يكسب الشعوب و هنا نكون وصلنا إلى ما قبل الثورة بقليل.

القمع السياسي وتهشيم مؤسسات الدولة

عندما تزيد الفجوة بين النظام والمعارضة ، ولإن الأنظمة المستبدة تمسك بكل أدوات الحكم من سلطة تنفيذية و تشريعية و قضائية و أجهزة قمع أمنية  تصب غضبها على المعارضة و تضطهدها بيد تلك الأجهزة و تستخدم  القانون و القضاء لقمع المعارضة، هنا يكون النظام  أفقد المجتمع الثقة بمؤسسات  الدولة  واستقلاليتها فتتشكل القناعة لدى العامة المتعاطفة مع المعارضة أن الإصلاح أصبح متعذر من داخل مؤسسات الدولة  و أن الثورات و التخلص من النظام هو الحل الوحيد، و أن العطب في النظام السياسي أصبح حالة معقدة  و تكلفة إصلاحه أكثر بكثير من مخاطر خلعه واجتثاثه.

الهزائم العسكرية

قد تكون الهزائم العسكرية من العدو الخارجي في معارك مصيرية بالنسبة للدول من أهم العوامل التي تشعل الثورات، فالهزائم تشكل حالة من الصدمة لدى الشعوب تجعلها في حالة ثأر للكرامة الوطنية والقومية بالتخلص من تلك الأنظمة المستبدة التي أوصلتها إلى تلك الحالة من الهزائم العسكرية أو خسارة جزء من أقاليم البلاد أو خسارة مكتسباتها ونفوذها الخارجي.

  •  اللحظة التاريخية

الثورات لا تستدعى من أحد ولا تأتي بناء على طلب أحد أو فصيل أو جهة، كما أن الثورات لا تولد بالصدفة ولا تأتي من العدم، توفر البيئة الحاضنة للثورات ليس بالضرورة ولادتها، فالمجتمعات عادة تخشى من التغيير وتخاف من المجهول، لكن بالنهاية الحتمية تأتي القشة التي تقصم ظهر البعير، والقطرة التي تدفع السيل، فتنفجر الثورات على أحداث عابرة ،لا يمكن توقعها أو التنبؤ بها ومنعها:

ثورات الربيع العربي

في ثورات الربيع العربي رغم احتقان المنطقة العربية وحملها لأكثر من نصف قرن بكل مسببات وحواضن الثورات إلا أن الثورات لم تقع، لكنها جاءت بالنهاية كردة فعل على إحراق مواطن عربي فقير " البوعزيزي"  نفسه في منطقة مهمشة في دولة عربية لتشتعل الثورات في معظم أرجاء الوطن العربي، وتطيح بكثير من تلك الأنظمة، الصاعق والشرارة التي فجرت بارود الثورة أو اللحظة التاريخية كانت من إحراق شاب نفسه احتجاجا  على التضييق عليه في رزقه البسيط وإهانته.

في الثورة الفرنسية لم  يكن الأمر بعيدا عما حصل في ثورات الربيع العربي،  إذ أن عزل الملك لويس السادس عشر لوزير ماليته جاك نيكير في 11 تموز عام 1789، المتعاطف مع الطبقة الثالثة طبقة العامة  حيث كان المجتمع يقسم إلى طبقة النبلاء وطبقة رجال الدين وطبقة العامة، هذا العزل دفع الجماهير المهمشة إلى الاحتجاجات، وكان الناس يخشون أن تقوم قوات الملك وجيشه المرتزق من جميع الجنسيات الأوروبية بقتلهم، فخطب شاب من الثوار داعيا الجماهير التوجه إلى سجن الباستيل والذي كان يسجن به الملك الرموز السياسية المناوئة له، والذي كان أيضا كان حصنا لتخزين الأسلحة التي تستخدم في مواجهة الجماهير الثائرة  فكان اقتحام الحصن القطرة التي أفاضت ودفعت سيل الثورة الفرنسية التي غيرت وجه أوروبا الحديثة حتى يومنا الحاضر .

00:00:00