الغربال.. بقلم د.ميرفت سرحان

الصورة
2021-05-23

من المتعارف عليه أن العادات والتقاليد تنتقل بين الأجيال عبر الزمن .. وإحدى الثقافات الموروثة (القديمة المتجددة) .. والتي تعتبر من أهم طقوس التحول بين الفصول هي (التعزيل)، وتعني القيام بحملة تنظيف وإعادة تنظيم لكافة أركان المنزل .. وتشبه عملية (التعزيل) هذه إلى حد بعيد الغربلة .. فعند استخدام الغربال تنفصل مكونات المادة من خلاله إلى جزئين: أحدهما جيد ومفيد يخرج من ثقوب الغربال .. والجزء العالق أعلى الغربال هو الجزء المراد التخلص منه ..   
واحدة من أهم أشكال (التعزيل) في المنزل (تعزيل) الملابس وتعني: رفع الملابس الشتوية من الخزائن التي في متناول الأيدي، وإنزال الملابس الصيفية أو العكس -حسب الفصول- وهي عملية مجهدة ومتعبة وتحتاج إلى وقت طويل نسبيًا .. ومع ذلك فالبعض يستمتع بالقيام بها .. وهناك من أصبح صاحب خبرة في هذا الموضوع فيتقنه بشكل محترف .. 
إذا ما نويت القيام بهذه المهمة يومًا، وجربت (تعزيل) الخزانة الخاصة بك .. وبمجرد شروعك بالعملية فإنك سوف تستغرب من الكم الهائل لما تمتلكه من أغراض وأشياء وملابس .. وعندما تبدأ بالخطوات، تجد أنها تسير كالتالي: أولًا: سوف تندهش من عدد ما لا يلزم منها .. إما لأنه أصبح قديمًا باليا من كثرة الاستعمال .. أو تالفا لا فائدة منه، فلا يقي حر الصيف ولا برد الشتاء .. ومنها ما صغر مقاسه على حجمك الحالي .. ومنها ما صار تصميمه قديمًا ولا يتماشى مع الوقت الحالي .. وغيرها ..
ثانيًا: ستجد أن بعضها جيد، ولكنه لم يعد يناسب ذوقك .. وتسخر من نفسك عندما تشاهده وتتساءل؛ كيف كان لديك مثل هذا الحس والذوق يومًا فاشتريته ..
ثالثًا: ستعثر على بعض الحاجيات المركونة في زاوية بعيدة من الخزانة .. وقد نسيت أنك تمتلكها أو أنها أصلًا موجودة لديك ..
رابعًا: ستكتشف وجود أشياء عتيقة قيمة موجودة في خزانتك .. أهملتها لفترة طويلة .. مع أنك بأمس الحاجة لها ..
خامسًا: ستجد بالتأكيد أن من هذه الأشياء ما كان مناسبًا لك في السابق ولايزال ..
وبنهاية هذه الخطوات تبدأ عملية (التعزيل) الحقيقية .. تعيد ترتيب ما أبقيت عليه .. فتخزن بعض الأشياء على أمل عودة الاستفادة منها .. وتخزن أخرى لم تطاوعك نفسك على التخلص منها لقيمة مادية لها أو نفسية ارتبطت بها .. وتتخلص مما لم يعد لزوم لها: إما بأن تتصدق بها لمن يمكن له أن يستفيد منها، أو برميها إذا كان باعتقادك هذا الحل الأنسب للتخلص منها، فلم يعد هناك فائدة ترجى منها ..
وآخر خطوات (التعزيل): أن تسجل ما الذي ينقصك الآن .. وما الذي سوف تحتاج إليه في الفترة القادمة لتعمل على اقتنائه ..
أعتقد أنك كما تحتاج (لتعزيل) مقتنياتك أثناء الانتقال بين الفصول والمواسم .. فأنت بحاجة (لتعزيل) حياتك عبر الأحداث والمواقف .. إلا أنك في هذا النوع من (التعزيل) يلزمك أن تكون أكثر وعيًا وشجاعة .. غربل الأشخاص من حولك .. لا تبتهج لعددهم؛  فالكثرة لا ترادف النخبة ولا حتى النوعية .. ولكن إذا عنت لك الكثرة فافهم أن عليك ترتيبهم وتصنيفهم .. بعضهم للترفيه والتسلية .. ومنهم من يشاركك مسيرة حياتك .. وآخرون عند الابتلاءات والشدائد .. وهنالك من يحدث وجوده في حياتك عبئًا  يثقل كاهلك .. مما يعني مجددًا أن عليك غربلة و(تعزيل) الأشخاص من حياتك .. لذا؛ لا تحتفظ بمن لم تجده في الورطات إلى جانبك .. ولا تحرص على إبقاء من يشعر بالملل من أوجاعك .. ولا تهتم أو تنتبه لمن وجوده وغيابه متساوٍ في حياتك .. ولا تكترث لمن لا يضيف وجودك في حياته أهمية، ولو بسيطة .. وأخيرًا؛ اختر من يزيد وجوده البهجة والسرور لحياتك وحياته، ولو بالقليل .. 
ثم عليك أن تدرك؛  أن في هذه الحياة لا أحد مضمون ولا شيء ثابت .. لذا؛ داوم على غربلة و(تعزيل) حياتك ..
يقول الله تبارك وتعالى: "وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بالغَدَاةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ ولا تَعدُ عَيناكَ عنهم .... " (الكهف ٢٨).

 

دلالات

اختصاصية علم نفس ومرشدة في وزارة التربية والتعليم

00:00:00