أعلن أمين عام وزارة الزراعة، رئيس اللجنة المركزية لشراء الحبوب للموسم 2025/2026، محمد الحياري، تمديد فترة توريد الحبوب من القمح والشعير
من الحبة الكاملة إلى الخبز الأبيض.. ماذا يحدث للقمح في رحلة الطحن والخبز؟
يعد الخبز من المكونات الأساسية على المائدة الأردنية والعربية، وقد عاد إلى واجهة النقاش الغذائي، مع انتشار المعلومات حول الفروقات بين الحبة الكاملة والدقيق الأبيض، وما يترتب عليها من اختلاف في القيمة الغذائية وتأثيرها في صحة الجسم.
وللتعرف على القيم الغذائية للقمح، ومكوناته، والفروق بين الحبة الكاملة والخبز الأبيض، نستعرض لكم أبرز ما أوضحه لنا الدكتور أشرف الخمايسة أستاذ مساعد في علم وتكنولوجيا الغذاء/ علم وتكنولوجيا الحبوب في الجامعة الأردنية.
حبة القمح تتكون من 3 أجزاء رئيسية
أوضح الخمايسة أن حبة القمح تتكون بشكل أساسي من ثلاثة أجزاء رئيسية، لكل منها تركيب غذائي ووظيفة مختلفة، وهي:
-
النخالة أو القشرة الخارجية (Bran): وتشكل نحو 14.5% من وزن الحبة، وتحتوي على السليلوز والهيميسليلوز، إضافة إلى الألياف الغذائية ومجموعة من فيتامينات "ب"، أبرزها B1 وB2 وB3 وB6، إلى جانب الأحماض الفينولية ومعادن مثل المغنيسيوم والزنك والحديد.
-
الجنين (Germ): ويشكل نحو 2.5% من وزن الحبة، وهو الجزء الذي تنبت منه النبتة، لذلك يتركز فيه عدد من العناصر الغذائية، من بينها الدهون الصحية وفيتامين E، إضافة إلى الزنك والسيلينيوم والمنغنيز.
-
السويداء (Endosperm): ويشكل نحو 83% من وزن الحبة، وهو الجزء الداخلي الذي يمثل الخزان الرئيسي للنشويات والكربوهيدرات المعقدة، ويشكل الجزء الأكبر من الطحين الأبيض.
وأشار الخمايسة إلى أن هذه الأجزاء الثلاثة تتكامل في الحبة الطبيعية، لكن عملية إنتاج الطحين الأبيض تؤدي إلى إزالة النخالة والجنين بدرجات متفاوتة، ما يعني فقدان جزء كبير من العناصر الغذائية الموجودة فيهما.
لماذا يتحول القمح إلى طحين أبيض؟
تمر حبة القمح خلال عملية الطحن بمراحل تشمل الترطيب والتكسير والطحن والغربلة، بهدف فصل الطبقات الخارجية عن الجزء النشوي الداخلي.
وشرح الخمايسة، أن الطحين الأبيض يعتمد على استخلاص الجزء الأكبر من الإندوسبيرم، مع إزالة كميات من النخالة والجنين، لافتا إلى أن التخلص من الجنين يرتبط أيضا بكونه غنيا بالدهون، ما قد يؤثر في مدة صلاحية الطحين نتيجة عمليات الأكسدة.
وعرف نسبة الاستخلاص بأنها كمية الطحين المستخرجة من كل 100 كيلوغرام من القمح؛ فإذا استخرج 80 كيلوغراما من الطحين، تكون نسبة الاستخلاص 80%. ووفق نسبة الاستخلاص، توجد درجات مختلفة من الطحين، من بينها:
-
الطحين الموحد أو النخب الأول (Straight Grade Flour): وتتراوح نسبة استخلاصه عادة بين 75 و80%، وقد تصل نظريا إلى نحو 83%.
-
طحين الزيرو (Patent Flour): وتتراوح نسبة استخلاصه بين 70 و75%.
-
طحين الزهرة: وتتراوح نسبة استخلاصه بين 50 و60%.
وأكد أن زيادة عمليات التنخيل تعني إزالة كميات أكبر من النخالة والمكونات المرتبطة بها، وبالتالي انخفاض نسبة الاستخلاص وفقدان جزء من العناصر الغذائية.
لا شيء يهدر من مكونات الحبة في طحين الحبة الكاملة
في المقابل، يختلف طحين الحبة الكاملة عن الطحين الأبيض في أنه ينتج من طحن حبة القمح بمكوناتها الرئيسية الثلاثة معا؛ النخالة والجنين والسويداء.
وبذلك يحتفظ الطحين الناتج بجزء أكبر من الألياف والفيتامينات والمعادن والمركبات الطبيعية الموجودة في الحبة.
ولفت الخمايسة، إلى أن أنواع الطحين يمكن أن تقارن أيضا من خلال نسبة الرماد "Ash"، وهي نسبة المواد المعدنية الموجودة في الدقيق، والتي تساعد على تحديد نوع الطحين المستخدم في صناعة الخبز.
ماذا نخسر عند تحويل القمح إلى طحين أبيض؟
يؤدي التخلص من النخالة والجنين أثناء إنتاج الطحين الأبيض إلى فقدان نسبة كبيرة من المكونات الغذائية. وبين الخمايسة أن الفاقد يشمل نحو:
-
%80 من الألياف الغذائية الموجودة في القشرة الخارجية.
-
أكثر من 70% من بعض فيتامينات مجموعة B، ومنها "B1 وB2 وB3 وB6".
-
أكثر من 60% من المعادن، ومنها المغنيسيوم والحديد والزنك.
-
جزء من مضادات الأكسدة الطبيعية والفيتوستيرولات الموجودة في الحبة.
وأوضح أن السبب يعود إلى تركز هذه العناصر بصورة أساسية في النخالة والجنين، وهما الجزءان اللذان يتم التخلص منهما بنسب كبيرة خلال إنتاج الطحين الأبيض.
الخبز الأبيض يرفع سكر الدم بسرعة أكبر
لا يقتصر الفرق بين الخبز الأبيض وخبز الحبة الكاملة على القيمة الغذائية، بل يمتد إلى الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع النشويات بعد تناولها.
حيث أوضح الدكتور أشرف الخمايسة، أن النشويات هي وحدات من الغلوكوز مرتبطة ببعضها في سلاسل طويلة، وأن غياب الألياف والدهون الموجودة بصورة طبيعية في الحبة الكاملة يجعل تفكك النشويات في الخبز الأبيض أسرع. وبالتالي تتحول النشويات إلى غلوكوز بسرعة أكبر، فيرتفع مستوى السكر في الدم، ما يدفع البنكرياس إلى إفراز الإنسولين بصورة أسرع.
أما في خبز الحبة الكاملة، فتعمل النخالة والدهون الموجودة في الحبة كحواجز فيزيائية تبطئ عملية تفكك النشويات وتحولها إلى غلوكوز، ولذلك يكون مؤشره الجلايسيمي "Glycemic Index" أو مؤشر نسبة السكر في الدم أقل مقارنة بالخبز المصنوع من الطحين الأبيض.
وحذر الخمايسة، من أن الاعتماد اليومي على الخبز الأبيض والنشويات المكررة، وما يرافق ذلك من ارتفاعات متكررة في الإنسولين، قد يؤدي مع مرور الوقت إلى انخفاض حساسية الخلايا للإنسولين، وهي الحالة المعروفة باسم مقاومة الإنسولين (Insulin Resistance)، والتي تعد من المراحل المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
هل يعوض تدعيم الطحين الأبيض ما فقده؟
وأشار الخمايسة، إلى أن الطحين الأبيض في الأردن يدعم بخلطة من الفيتامينات والمعادن بهدف تعويض جزء من العناصر الغذائية التي فقدت خلال عملية الطحن.
ولفت إلى أن التدعيم يتضمن إضافة مجموعة من العناصر، من بينها الحديد والزنك وفيتامين A وبعض فيتامينات مجموعة B.
لكن التدعيم، بحسب الخمايسة، لا يعيد الطحين إلى القيمة الغذائية الكاملة لحبة القمح، لأن الحبة تحتوي على عشرات المركبات الغذائية التي لا يجري تعويضها جميعا، ومنها:
-
الألياف الغذائية.
-
مضادات الأكسدة الطبيعية.
-
بعض المركبات النباتية.
-
الدهون والمركبات الصحية الموجودة بصورة طبيعية في الحبة.
كما أن بعض العناصر المضافة قد تتعرض للفقد خلال عمليات الخبز والتخمير نتيجة درجات الحرارة المرتفعة، ما يعني أن التدعيم لا يعادل بالضرورة ما توفره الحبة الكاملة بصورة طبيعية.
ألياف الحبة الكاملة غذاء للبكتيريا النافعة
لا تتوقف أهمية الألياف على تنظيم عملية الهضم، إذ يشير الخمايسة إلى أن نخالة القمح تحتوي على ألياف قابلة للتخمير وكربوهيدرات معقدة، من بينها مركبات مثل الزيلان، تتفاعل مع البكتيريا النافعة الموجودة في القولون.
وتقوم هذه البكتيريا بتخمير الألياف وإنتاج ما يعرف بالأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (Short-Chain Fatty Acids)، ومنها البيوتيرات أو حمض البيوتيريك التي تعد مصدرا غذائيا مهما لخلايا جدار القولون.
ويساعد ذلك في الحفاظ على سلامة الغشاء المخاطي للقولون، وتقليل نفاذية الأمعاء، ودعم المناعة والمساهمة في الحد من الالتهابات.
لكن الخمايسة شدد على أن هذه الفائدة لا تعني أن خبز الحبة الكاملة مناسب لجميع الأشخاص، إذ تختلف الاستجابة بحسب الحالة الصحية للجهاز الهضمي.
متى لا يكون الخبز الكامل الخيار الأفضل؟
رغم فوائد الألياف، قد يحتاج بعض الأشخاص إلى الحذر عند تناول خبز الحبة الكاملة، خصوصا الذين يعانون من مشكلات معينة في الجهاز الهضمي. وذكر الخمايسة من الحالات التي تستدعي الانتباه:
-
متلازمة القولون العصبي (Irritable Bowel Syndrome).
-
بعض أمراض الأمعاء الالتهابية.
-
داء كرون (Crohn's Disease)، وهو مرض التهابي مزمن يصيب بطانة الجهاز الهضمي وجداره.
-
الحالات التي تتأثر فيها جدران الأمعاء بالألياف غير الذائبة.
-
الداء البطني أو السيلياك (Celiac Disease) وحساسية القمح.
وأوضح أن الألياف غير الذائبة الموجودة في النخالة قد تسبب لدى بعض المصابين باضطرابات القولون تهيجا ميكانيكيا، وغازات وانتفاخا، بينما يمنع المصابون بالسيلياك من تناول الخبز المصنوع من القمح، سواء كان أبيض أو كاملا، وفقا لحالتهم.
كيف نميز أن خبز الحبة الكاملة مغشوش؟
قد لا يكون اللون البني وحده دليلا على أن الخبز مصنوع فعلا من الحبة الكاملة، إذ يمكن إضافة ملونات أو مستخلصات إلى الخبز الأبيض لإعطائه مظهرا داكنا. ويقدم الخمايسة مجموعة من المؤشرات التي يمكن للمستهلك ملاحظتها:
-
القوام: خبز الحبة الكاملة الحقيقي يكون أكثر ثقلا وتماسكا من الخبز الأبيض.
-
المسام: تكون مسام الخبز الكامل أكثر انتظاما.
-
الملمس: يكون أكثر خشونة، بينما قد يكون الخبز الأبيض المضاف إليه لون أو نخالة أكثر نعومة ومطاطية.
-
اللون: اللون البني الطبيعي لا يكون متجانسا تماما، بينما اللون البني الداكن المتجانس قد يشير إلى إضافة ملونات.
-
النكهة: يكون طعم القمح والحبوب واضحا في خبز الحبة الكاملة، ويصفه المختصون بأنه نكهة جوزية (Nutty Flavor).
-
الحموضة: قد تظهر في الخبز الكامل حموضة خفيفة ناتجة عن عملية التخمير.
السكر والزيوت المكررة تسبب تراجعا في الفائدة الصحية
وحذر الخمايسة من بعض الإضافات التي قد تستخدم في صناعة الخبز لتحسين قوامه وطراوته وإطالة مدة صلاحيته، مبينا أن السكر قد يضاف بكميات كبيرة للمساعدة في الحفاظ على طراوة الخبز، كما تستخدم الزيوت المكررة لتحسين القوام والطعم، لكن هذه الإضافات قد ترفع السعرات الحرارية وتؤثر في القيمة الصحية للمنتج.
ولفت إلى أن إضافة السكر إلى خبز يفترض أنه خيار صحي قد تقلل من ميزته المرتبطة بضبط سكر الدم، فيما قد تؤدي الزيوت المكررة إلى زيادة السعرات الحرارية.
التدرج بالانتقال إلى الخبز الكامل أفضل
بدلا من الانتقال المفاجئ من الخبز الأبيض إلى خبز الحبة الكاملة، يدعم الخمايسة مبدأ التدرج، بحيث يعتاد الجسم تدريجيا على زيادة كمية الألياف.
واقترح الخمايسة، البدء بخلط الطحين الأبيض مع طحين الحبة الكاملة، مثل استخدام النصف من كل نوع، ثم زيادة نسبة الحبة الكاملة تدريجيا خلال أسابيع، وصولا إلى الاعتماد عليها بصورة أكبر، مؤكدا أن هذا التدرج يساعد الجهاز الهضمي على التكيف مع زيادة الألياف.
خبز الجدات.. لماذا يعود التخمير الطبيعي إلى الواجهة؟
ومن بين الممارسات القديمة التي يرى الخمايسة أن لها قيمة غذائية، التخمير الطبيعي الذي كانت تتبعه الجدات، حيث كان يجري تخمير الطحين بالماء وتغذيته باستمرار للحصول على خمائر طبيعية من الطحين نفسه.
ويعرف هذا الأسلوب حاليا باسم التخمير الطبيعي أو الساوردو (Sourdough)، وهو من الأساليب التي تحظى باهتمام متزايد في صناعة الخبز.
ويوضح الخمايسة أن التخمير الطبيعي والبطيء قد يساعد على تحسين هضم الغلوتين وبعض المركبات الموجودة في الحبوب، كما يسهم في تفكيك حمض الفيتيك (Phytic Acid) الذي يرتبط بمعادن مثل الحديد والزنك ويحد من امتصاصها.
وخلال عملية التخمير، ينشط إنزيم الفيتاز (Phytase) الذي يساعد على تفكيك حمض الفيتيك، ما قد يحسن الاستفادة من بعض المعادن الموجودة في الحبة.
ويرى الخمايسة، أن التخمر البطيء أفضل من التخمير السريع من الناحية التغذوية، لكن طبيعة الإنتاج التجاري تدفع بعض المخابز إلى استخدام الخمائر التي تسرع عملية التخمير بهدف إنتاج كميات أكبر خلال وقت أقصر.
الحبة الكاملة تحتاج إلى ماء أكثر
مع زيادة تناول الألياف، يوصي الخمايسة، بزيادة استهلاك الماء بالتوازي، لأن الألياف الموجودة في خبز الحبة الكاملة تميل إلى امتصاص الماء، مؤكدا أن شرب كميات مناسبة من الماء يساعد على ضمان حركة أمعاء سليمة ومريحة عند زيادة استهلاك الألياف.
4 قواعد لاختيار خبز أكثر صحة
وفي ختام حديثه، يلخص الخمايسة، القواعد التي يمكن أن تجعل الخبز خيارا أكثر دعما للصحة، وهي:
-
اختيار الصورة الطبيعية: تفضيل خبز الحبة الكاملة أو الطحين المصنوع من الحبة الكاملة على الطحين الأبيض، عندما يكون ذلك مناسبا للحالة الصحية.
-
تبسيط المكونات: اختيار الخبز الذي يعتمد على مكونات أساسية وبسيطة، مثل طحين الحبة الكاملة والماء والملح والتخمير الطبيعي، وتقليل المنتجات كثيرة الإضافات.
-
الاعتدال: تناول الخبز ضمن كميات معتدلة ومتوازنة، حتى لو كان مصنوعا من الحبة الكاملة، لأن الفائدة الغذائية لا تلغي أهمية الاعتدال مستحضرا مبدأ الاعتدال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143].
-
التخمير الطبيعي: تفضيل الخبز المصنوع بالتخمير الطبيعي والبطيء، عندما يكون متاحا، لما قد يوفره من فوائد تتعلق بهضم بعض مكونات الحبوب والاستفادة من المعادن.
بين الحبة التي تحمل في داخلها النخالة والجنين والإندوسبيرم، والرغيف الذي يصل إلى مائدتنا بعد مراحل طويلة من الطحن والتخمير والخبز، تبدو التفاصيل الصغيرة مؤثرة في القيمة الغذائية النهائية، وندرك حينها أن خلف هذه الحبة الصغيرة عظمة خالق وبديع صنع، وهو القائل في محكم كتابه:
﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:33].