عاشوراء.. يوم انتصار اليقين وسقوط الطغيان

الصورة
تعبيرية عن مشهد نجاة موسى عليه السلام وغرق فرعون | مولدة بالذكاء الاصطناعي
تعبيرية عن مشهد نجاة موسى عليه السلام وغرق فرعون | مولدة بالذكاء الاصطناعي
آخر تحديث

يمثل يوم عاشوراء محطة إيمانية عظيمة في ذاكرة الأمة الإسلامية، فهو اليوم الذي تجلت فيه سنة الله في نصرة الحق وإهلاك الباطل، حين نجّى الله تعالى نبيه موسى عليه السلام ومن آمن معه من بطش فرعون وطغيانه، وجعل البحر طريقا للنجاة بعد أن ظن أهل الإيمان أن الأسباب قد انقطعت. 

ومنذ ذلك اليوم بقي عاشوراء شاهدا على أن معية الله أقوى من كل قوة، وأن الطغيان مهما بلغ جبروته لا يصمد أمام وعد الله ونصره.

وقد حفظت السنة النبوية مكانة هذا اليوم، حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود يصومونه، فقالوا إنه يوم نجّى الله فيه موسى وأغرق فرعون، فصامه موسى شكرا لله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: 

"أنا أولى بموسى منهم"

 فصامه نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، ويأتي موعد صيام عاشوراء 2026 وفق التقويم الهجري في اليوم العاشر من شهر محرم 1448، والذي يوافق يوم الخميس 25 حزيران 2026.

عاشوراء.. تذكير بنعم الله وأيامه الكبرى

لا يرتبط عاشوراء بمجرد حدث تاريخي مضى، بل هو من "أيام الله" التي أمر القرآن بتذكرها لما تحمله من دروس وعبر. قال تعالى:

"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" (5)

فهذا اليوم يذكّر بنعمة النجاة، وبسقوط الاستبداد، وبأن الله سبحانه يبدّل حال المستضعفين حين يتمسكون بالإيمان ويأخذون بالأسباب. وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم عاشوراء باعتباره يوما للشكر والعبادة، لا يوما لمجرد استحضار الماضي، بل فرصة لتجديد الصلة بالله واستحضار معاني الصبر واليقين.

موسى وفرعون.. مشهد أبدي بين الحق والطغيان

تحمل قصة موسى عليه السلام وفرعون واحدة من أعظم السنن الإلهية في التاريخ؛ ففرعون امتلك القوة والسلطان والجيش، لكنه عجز أمام قدرة الله، بينما كان موسى وقومه في موقف يبدو فيه الضعف من منظور الحسابات المادية.

وفي اللحظة التي رأى فيها أصحاب موسى البحر أمامهم وفرعون خلفهم، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ﴾، فجاء جواب اليقين: ﴿كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ﴾.

كانت تلك الكلمات خلاصة مدرسة الإيمان: أن المؤمن لا يقيس الأمور فقط بما يراه من أسباب، بل بما يعلمه من قدرة الله ورعايته.

في حين تدارك فرعون الأمر في اللحظات الأخيرة حينما أشرف على الغرق والهلاك، فقال في الوقت المستقطع والضائع: 

آمنت أنه لا إله إلا الذي أمنت به بنو إسرائيل. فرد الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).

ويقول الله تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ).

الأنبياء رسالة واحدة ونور واحد

يؤكد عاشوراء وحدة الرسالات السماوية وترابط طريق الأنبياء عليهم السلام؛ فموسى عليه السلام لم يكن غريبا عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل جاء النبي الخاتم امتدادا لهذا الطريق الطويل من دعوة التوحيد والعدل.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الأنبياءُ إخوةٌ لعَلاتٍ؛ أمَّهاتُهُم شتَّى ودينُهُم واحدٌ"، أي إن أصل دعوتهم واحد، وإن اختلفت بعض الشرائع والتفاصيل، فكلهم جاؤوا لهداية الإنسان وتحريره من عبودية غير الله.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن موسى عليه السلام: "أنا أولى بموسى منهم"، تأكيدا على أن رابطة الإيمان والنبوة أعمق من حدود الزمن والانتساب.

رسالة الأنبياء.. تحرير الإنسان من كل قيد

لم تكن دعوات الأنبياء مجرد عبادات منفصلة عن واقع الإنسان، بل حملت رسالة تحرير شاملة؛ تحرير القلب من عبودية غير الله، وتحرير الإنسان من الخضوع للظلم والاستبداد والطغيان.

فموسى عليه السلام جاء ليخرج بني إسرائيل من استعباد فرعون، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء برسالة ترفع الإنسان من عبودية البشر إلى عبادة الله وحده.

ولهذا كانت الحرية والكرامة من المعاني العميقة التي تتجلى في قصة عاشوراء؛ فالنجاة من فرعون لم تكن مجرد نجاة من خطر، بل كانت انتصارا لمعنى الإنسان الذي يرفض أن يعيش مقهورا تحت سلطان الظلم.

صيام عاشوراء.. عبادة الشكر والاقتداء

كان صيام عاشوراء شكرا لله على نصره لموسى عليه السلام، ثم جاء الإسلام ليؤكد هذا المعنى ويمنحه بعدا خاصا في عبادة المسلمين.

وعندما وجد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود يصومون هذا اليوم، أقر أصل تعظيمه باعتباره شكرا لله، لكنه أراد أن تكون للأمة الإسلامية خصوصيتها، فقال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، فدل ذلك على أهمية التميز في العبادة وعدم الذوبان في عادات الآخرين.

ومر صيام عاشوراء بمراحل تشريعية متعددة، حتى استقر على كونه سنة مستحبة، يصوم المسلم فيه اليوم العاشر من المحرم، ويستحب أن يصوم معه يوما قبله أو بعده.

فضل عاشوراء.. رحمة تمتد إلى العام كله

يحمل صيام عاشوراء بشارة عظيمة للمؤمنين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".

وهذه المنحة الإلهية تبرز سعة رحمة الله بعباده، حيث يجعل من عبادة يسيرة بابا لمغفرة واسعة، ويحول لحظة زمنية محددة إلى فرصة لمراجعة النفس وتجديد التوبة والعودة إلى الله.

عاشوراء في ميزان التربية والإحسان

لا يقتصر فضل عاشوراء على الصيام فقط، بل ارتبط أيضا بمعاني التكافل والإحسان، ومن صور ذلك التوسعة على الأهل وإدخال السرور عليهم، مع استحضار أن المقصد هو ابتغاء وجه الله ونشر الخير.

كما أن النية الصادقة لها مكانتها في الإسلام؛ فمن عجز عن العمل لعذر معتبر وكان صادقا في قصده، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

ما يشرع في عاشوراء وما لا يشرع

جاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عاشوراء واضحا: صيام وذكر وشكر لله، ولم يثبت عنه اتخاذ هذا اليوم موسما للحزن أو ممارسة مظاهر تخالف هدي الإسلام.

فالعبادة في الإسلام تقوم على الاتباع، وما لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يكون من الدين، كما أن المصائب تعالج بالصبر والاحتساب لا بالمظاهر التي تخالف الشرع.

عاشوراء.. معركة مستمرة بين النور والظلام

يبقى عاشوراء رسالة متجددة بأن الطغيان مهما طال عمره إلى زوال، وأن وعد الله بالنصر لعباده الصابرين حق لا يتغير.

إنه يوم يذكر الإنسان بأن طريق الحرية والكرامة يبدأ من التحرر من الخوف، والثبات على الحق، والثقة بأن الله لا يخذل من توكل عليه.

فكما خرج موسى عليه السلام من بين البحر وفرعون، فإن سنن الله في التاريخ باقية: يعلو الحق حين يتمسك أهله به، ويسقط الباطل مهما امتلك من قوة.

وعاشوراء ليس يوما في التقويم فقط، بل مدرسة إيمان تعلم الأمة أن النجاة تبدأ من اليقين، وأن الفرج يأتي حين تكتمل الثقة بالله.  

00:00:00