الأردن يحتفل باستقلاله الـ80.. المسيرة من التأسيس إلى الحاضر

الصورة
من حفل تتويج الأمير عبدالله الأول بن الحسين ملكا على المملكة الأردنية الهاشمية 25/5/1946 | أرشيفية
من حفل تتويج الأمير عبدالله الأول بن الحسين ملكا على المملكة الأردنية الهاشمية 25/5/1946 | أرشيفية
آخر تحديث

يحتفل الأردنيون -غدا الإثنين- الموافق للـ25 من أيار 2026، بعيد الاستقلال الثمانين للمملكة الأردنية الهاشمية، في مناسبة وطنية تستحضر محطات تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها، ومسيرة امتدت عبر ثمانية عقود من العمل والتحديث، رغم ما شهدته المنطقة من أزمات وتحولات، حيث واصل الأردن ترسيخ مكانته دولة مستقرة تقوم على الإرث الهاشمي ودولة القانون والمؤسسات.

إعلان الاستقلال وتأسيس الدولة

في 25 أيار 1946، أعلن الملك المؤسس عبدالله بن الحسين استقلال المملكة الأردنية الهاشمية وسيادتها، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، حيث مضى الأردنيون تحت الراية الهاشمية في تأسيس مؤسسات الدولة وترسيخ قواعد الحكم الدستوري، وبناء منظومة قانونية وإدارية شكّلت الأساس للدولة الأردنية المعاصرة.

محطات النضال السياسي وترسيخ السيادة

شهدت مرحلة ما قبل الاستقلال تطورات سياسية مهمة، بدءا من اعتراف بريطانيا باستقلال إمارة شرق الأردن عام 1923، مرورا بالمعاهدة الأنجلو-أردنية عام 1928 وما رافقها من حراك وطني ومؤتمر 25 تموز الذي أقر الميثاق الوطني الأردني.

وفي عام 1946، أفضت المفاوضات إلى توقيع المعاهدة الأنجلو-أردنية الثانية، التي مهدت للاعتراف الدولي باستقلال المملكة، قبل أن يصوت المجلس التشريعي في 25 أيار 1946 بالإجماع على إعلان الاستقلال، لتصبح المملكة الأردنية الهاشمية دولة ذات سيادة كاملة.

بناء الدولة والدستور وترسيخ النظام السياسي

واصلت الدولة الأردنية بعد الاستقلال ترسيخ بنيتها الدستورية والمؤسساتية، حيث صدر الدستور الأردني عام 1952 في عهد الملك طلال، مؤكدا أن نظام الحكم ملكي نيابي وراثي، وأن الشعب مصدر السلطات، مع تعزيز الهوية العربية للأردن وتثبيت مبادئ الحكم الدستوري.

عهد الملك الحسين بن طلال.. بناء الدولة وسط الإقليم الملتهب

يمثل عهد الملك الراحل الحسين بن طلال مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة الأردنية، امتدت منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1953 وحتى رحيله عام 1999، حيث قاد المملكة في واحدة من أكثر الفترات حساسية واضطرابا في الإقليم، وتمكن خلالها من تثبيت أركان الدولة وتعزيز مؤسساتها رغم التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية المتلاحقة.

وخلال عقود حكمه، واجه الأردن تحولات كبرى بدأت بتداعيات النكبة عام 1948 وما تبعها من موجات لجوء فلسطينية أثقلت البنية السكانية والاقتصادية للمملكة، إلا أن الدولة تعاملت معها ضمن مقاربة إنسانية ومسؤولية سياسية حافظت على استقرار المجتمع ووحدته.

وفي منتصف الخمسينيات، اتخذ الملك الحسين أحد أبرز قرارات السيادة في تاريخ الأردن، وهو قرار تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956، عبر إنهاء خدمة القائد البريطاني كلوب باشا، في خطوة جسدت انتقال القرار العسكري بالكامل إلى القيادة الوطنية الأردنية، ورسخت استقلال القرار السيادي للدولة.

كما شهد عهده تطورات سياسية ومؤسسية مهمة، وفي مقدمتها الدستور الأردني المعدل عام 1952، الذي عزز الحياة النيابية، ورسّخ مبدأ الفصل بين السلطات، كما تم توسيع قاعدة التعليم وتعميمه، وتأسيس مؤسسات اقتصادية وخدمية شكلت نواة الدولة الحديثة.

وعلى الصعيد التنموي، شهدت المملكة خلال الستينيات والسبعينيات انطلاقة اقتصادية ملحوظة، شملت مشاريع البنية التحتية والصناعة والنقل والتعليم العالي، إلى جانب تأسيس الجامعة الأردنية، وتطوير قطاع الطاقة والمياه والزراعة، بما أسهم في بناء اقتصاد ناشئ قادر على الصمود.

أما سياسيا، فقد ظل الملف الفلسطيني في صدارة أولويات الملك الحسين، حيث قاد جهودا دبلوماسية بعد حرب 1967، وأسهم في صدور القرار الأممي 242، كما حقق الجيش العربي الأردني في معركة الكرامة عام 1968 انتصارا مهما شكل نقطة تحول في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ورسّخت مكانة الجيش الأردني كقوة دفاع وطنية فاعلة.

وخلال السبعينيات والثمانينيات، واصل الأردن مسيرته وسط إقليم مضطرب، فحافظ على توازنه السياسي، واتخذ قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988، استجابة للتحولات الإقليمية، مع التأكيد على استمرار الدعم السياسي للقضية الفلسطينية.

ويعد عهد الملك الحسين مرحلة تأسيسية للدولة الحديثة بمفهومها المؤسسي والسياسي، حيث نجح في الحفاظ على استقرار الأردن ووحدته في محيط شديد التعقيد، ورسخ صورة المملكة كدولة متماسكة قادرة على الصمود والاستمرار رغم محدودية الموارد وضخامة التحديات.

وفي عام 1994، وقّع الأردن اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية "وادي عربة"، التي أرست إطارا سياسيا جديدا في العلاقات الإقليمية، مع تأكيد الدور الأردني في ملفات القدس واللاجئين.

عهد الملك عبدالله الثاني والتحديث الشامل

يمثل عهد الملك عبدالله الثاني، منذ تسلمه سلطاته الدستورية عام 1999، مرحلة جديدة في مسار الدولة الأردنية اتسمت بالتحول نحو التحديث الشامل، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإعادة صياغة أولويات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في سياق إقليمي بالغ التعقيد وتحديات متصاعدة على المستويات كافة.

ومنذ السنوات الأولى لعهده، ركّز الملك عبدالله الثاني على ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة القادرة على المنافسة والانفتاح، من خلال إصلاحات اقتصادية هدفت إلى جذب الاستثمار وتحفيز النمو، وإطلاق مشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة والتعليم والصحة، إلى جانب تعزيز بيئة الأعمال وتحديث التشريعات الناظمة للاقتصاد الوطني.

وعلى الصعيد السياسي، برزت مسارات متتالية للإصلاح والتحديث، كان أبرزها إطلاق اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية عام 2021، والتي أفضت إلى تعديلات جوهرية في قوانين الانتخاب والأحزاب، بما يعزز المشاركة الشعبية وتمكين الشباب والمرأة، ويؤسس لحياة حزبية أكثر فاعلية داخل البرلمان.

وفي المجال الخارجي، حافظ الأردن في عهد الملك عبدالله الثاني على سياسة خارجية متوازنة تقوم على الانفتاح وبناء العلاقات مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، مع تأكيد ثابت على مركزية القضية الفلسطينية، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والعمل الدؤوب على دعم حل الدولتين كخيار أساسي لتحقيق السلام العادل والشامل.

كما واجه الأردن خلال هذا العهد سلسلة من التحديات الإقليمية الكبرى، من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، إلى أزمات اللجوء السوري منذ 2011، وصولا إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة، ما فرض أعباء اقتصادية وإنسانية كبيرة، تعامل معها الأردن عبر سياسات احتواء واستجابة إنسانية واسعة حافظت على استقراره الداخلي.

ورغم الضغوط الاقتصادية العالمية والإقليمية، استطاع الأردن الحفاظ على شبكة علاقات دولية متوازنة، وتثبيت مكانته كشريك موثوق في ملفات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، إلى جانب تطوير مؤسسات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لتبقى في أعلى درجات الجاهزية.

ويعد عهد الملك عبدالله الثاني امتدادا لمسار الدولة الأردنية، لكنه في الوقت ذاته يمثل مرحلة إعادة صياغة للدور الأردني داخليا وخارجيا، تقوم على التحديث التدريجي، والانفتاح الاقتصادي، والثبات في المواقف السياسية، مع الحفاظ على هوية الدولة واستقرارها في محيط مضطرب ومتغير باستمرار.

الأردن اليوم.. استقرار وسط التحديات

يحتفل الأردن بمرور 80 عاما على استقلاله، وهو يواصل مسيرته في بيئة إقليمية معقدة، تواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، فيما يواصل الحفاظ على استقراره الداخلي، ومواقفه الثابتة تجاه القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مستندا إلى إرث دولة راسخة ومؤسسات متماسكة وقيادة هاشمية مستمرة في نهج البناء والتحديث.

اقرأ المزيد.. العدد 1127 من جريدة الأردن

الأكثر قراءة
00:00:00