تصفية الأونروا في القدس.. تفاصيل سيطرة الاحتلال على معهد قلنديا

الصورة
بوابة معهد قلنديا التابع لوكالة الأونروا
بوابة معهد قلنديا التابع لوكالة الأونروا
آخر تحديث

في صبيحة الخامس والعشرين من آب 2026، أقدمت سلطات الاحتلال على اقتحام معهد قلنديا للتدريب المهني في كفر عقب، في خطوة لم تقتصر على إغلاق منشأة تعليمية، بل عكست تصعيدا جديدا ضد الوجود الأممي في القدس المحتلة، ولا سيما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

وجاء الاقتحام بقيادة مباشرة من وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، وبتوجيهات من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حيث دفعت قوات الاحتلال بأكثر من خمسين جنديا وأربع آليات مدرعة، وأغلقت الطرق المحيطة بالمعهد ومنعت حركة آلاف الفلسطينيين، محولة المنطقة إلى ثكنة عسكرية مغلقة.

اقتحام معهد قلنديا ورفع علم الاحتلال

وداخل ساحات معهد قلنديا، أقدمت قوات الاحتلال على طرد نحو أربعين موظفا أمميا، بعد احتجازهم وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية، قبل رفع علم الاحتلال فوق سارية المعهد بدلا من راية الأمم المتحدة.

ويمثل تحويل المعهد، الذي يُعد "المعقل الأخير" والمنشأة النشطة الوحيدة المتبقية للأونروا في الشطر الشرقي من المدينة، إلى مقر عسكري، تصعيدا يستهدف الوجود الخدماتي الدولي في القدس، ويفرض واقعا جديدا على عمل الوكالة وعلاقتها باللاجئين الفلسطينيين في المدينة.

اقتحام بعد زيارة دبلوماسية

وجاءت عملية الاقتحام بعد نحو أربع وعشرين ساعة من زيارة وفد رفيع المستوى ضم 28 بعثة دبلوماسية معتمدة إلى معهد قلنديا، حيث أكدت البعثات قبل ساعات من العملية على الحصانة الدولية للموقع وضرورة حمايته.

واعتبرت اللجنة الشعبية لمخيم قلنديا الخطوة "ردا عقابيا مباشرا" على التضامن الدبلوماسي، فيما اعتبر الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية فؤاد المجالي العملية خرقا فاضحا للحصانات الأممية.

وتعكس العملية، وفق المعطيات الواردة، توجها لاستخدام القوة الميدانية في مواجهة الجهود الدبلوماسية، وفرض واقع جديد على المنشآت التعليمية في القدس، بما يقلص مساحة الحماية الدولية التي تتمتع بها.

350 طالبا أمام مستقبل مجهول

وأدى إغلاق معهد قلنديا إلى تعطيل المسار التعليمي لنحو 350 طالبا وطالبة، تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وتسعة عشر عاما، وينحدرون من 19 مخيما في الضفة الغربية.

وكان المعهد يوفر لهؤلاء الطلبة، على مدى نحو سبعة عقود، التعليم والسكن والوجبات والتدريب المهني مجانا، قبل أن يجدوا أنفسهم دون هذا المسار التعليمي عقب إغلاقه.

كما يهدد الإغلاق تخصصات تقنية ومهنية تشمل ميكاترونيات السيارات، والكهروميكانيك، والنجارة، والاتصالات، والتصميم الداخلي، وهي تخصصات تشير المعطيات الواردة إلى أن نسبة توظيف خريجيها تتجاوز تسعين بالمئة.

ويمثل فقدان هذه البرامج ضربة لمسار التدريب المهني الذي كان يوفر للاجئين أدوات الاستقلال الاقتصادي، وسط مخاوف من انعكاساته على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المخيمات وتعميق دائرة الفقر.

الاستيلاء على الأرض والمنشأة ومصادرة أصولها

وتستند سلطات الاحتلال في سيطرتها على المعهد إلى ما وصف بـ"الهندسة الإجرائية" للسيطرة على الموقع، في وقت يدعي "الصندوق القومي اليهودي" ملكية الأرض منذ عام 1937.

في المقابل، تؤكد الوثائق أن المعهد أُقيم بموجب اتفاقية رسمية مع الحكومة الأردنية عام 1952، وأن الاتفاقية لا تزال سارية المفعول قانونيا وتمنح الأونروا حق استخدام الأرض لخدمة اللاجئين.

ويمتد مجمع المعهد على مساحة تتراوح بين 80-88 دونما، وتضم منشآته وتجهيزاته أصولا تقدر قيمتها بأكثر من خمسة ملايين دولار من أموال المانحين الدوليين، ما يجعل الاستيلاء عليها، وفق المعطيات الواردة، سابقة خطيرة في التعامل مع ممتلكات المنظمات الدولية الممولة لأغراض إنسانية.

مخطط لإقامة مركز استيطاني لخدمة المستوطنين

وتتجاوز خطط الاحتلال السيطرة على الموقع إلى إعادة توظيفه؛ إذ كشفت وزارة خارجية الاحتلال عن مخطط لإقامة ما وصفته بـ "مركز مجتمعي وتربوي عبري" بتكلفة تبلغ 40 مليون شيكل على أنقاض المعهد.

ويعكس المشروع، وفق المعطيات، توجها نحو تغيير هوية الموقع وطبيعته، عبر إحلال منشأة تعليمية عبرية تتبع بلدية الاحتلال محل المنشأة الأممية التي ارتبطت على مدى عقود بقضية اللاجئين الفلسطينيين.

ويكتسب استهداف معهد قلنديا أهمية إضافية لكونه أول وأقدم معهد في تاريخ الوكالة، ما يجعل السيطرة عليه ذات أبعاد تتجاوز الموقع الجغرافي لتطال الذاكرة المؤسسية المرتبطة باللاجئين والبنية التحتية التي ارتبطت بقضية اللجوء وحق العودة.

خمسة اقتحامات خلال عام واحد

ولم تكن عملية الاستيلاء في آب وليدة اللحظة، إذ سبقتها، خلال عام 2026، خمسة اقتحامات للمعهد، كان أبرزها وأكثرها حدة اقتحام شهر تموز الماضي.

وجرت هذه الاقتحامات، وفق المعطيات الواردة، من دون إنذارات مسبقة، بالتزامن مع قطع قنوات الاتصال مع الوكالة، في تكتيك استهدف إنهاك المؤسسة وفرض واقع تدريجي على الموقع.

ووثقت القائمة بأعمال مدير مكتب إعلام الأونروا عبير إسماعيل هذه الاقتحامات، التي اعتُبرت جزءا من استراتيجية تدريجية للسيطرة على المنشأة وحرمان الوكالة من فرصة التحرك القانوني الوقائي.

تسلسل تشريعي ضد الأونروا في القدس

وتأتي السيطرة على معهد قلنديا ضمن مسار تشريعي استهدف الوجود الرسمي والخدماتي للأونروا في القدس، بدأ في تشرين الأول عام 2024، عندما صادق كنيست الاحتلال على قوانين لحظر أنشطة الوكالة وسحب امتيازاتها وحصاناتها.

وفي كانون الثاني عام 2025، دخلت القوانين حيز التنفيذ، مع قطع أشكال التواصل الرسمي مع الوكالة.

وفي أيار عام 2025، أغلقت سلطات الاحتلال ست مدارس تابعة للأونروا في القدس الشرقية، ما حرم نحو 800 طفل من حقهم في التعليم، بالتزامن مع إغلاق عيادات في مخيم شعفاط والبلدة القديمة ومقر الوكالة في الشيخ جراح.

ومع الاستيلاء على معهد قلنديا في آب عام 2026، وصل هذا المسار إلى واحدة من أبرز المنشآت التعليمية والخدماتية التابعة للأونروا في القدس.

إدانات دولية ومطالبات بالتدخل

وأثارت عملية الاستيلاء على المعهد إدانات دولية، إذ أدان منسق الأمم المتحدة بالإنابة رامز الأكبروف الاستيلاء غير القانوني، مؤكدا حرمة ممتلكات الأمم المتحدة.

كما طالب مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية رولاند فريدريش بتدخل دولي عاجل لحماية الحصانة الأممية، فيما دعت الرئاسة الفلسطينية مجلس الأمن إلى الانعقاد الفوري.

كما أدانت وزارة الخارجية الأردنية بأشد العبارات هذا الانتهاك الفاضح للاتفاقيات المبرمة وحصانة المؤسسات الدولية، محملة "إسرائيل" المسؤولية التاريخية والقانونية عما جرى.

من جهتها دعت الرئاسة الفلسطينية، مجلس الأمن الدولي للانعقاد العاجل وتحمل مسؤولياته لوقف تدمير مؤسسات الأمم المتحدة وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ومؤسساته.

في حين وصفت محافظة القدس، الخطوة بأنها حلقة استعمارية تستهدف إنهاء الوجود الفلسطيني وشطب حق العودة للاجئين عبر ضرب الشاهد التاريخي والخدماتي لجوهر القضية.

وتأتي هذه التطورات في ظل الإشارة إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تشرين الأول عام 2025، والذي أكد التزام دولة الاحتلال بتسهيل عمل الأونروا.

ويضع الاستيلاء على معهد قلنديا المجتمع الدولي أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرته على حماية منشآته ومؤسساته والالتزامات القانونية الدولية، في ظل استمرار الإجراءات الميدانية التي تستهدف وجود الأونروا ودورها في القدس المحتلة.

دلالات
الأكثر قراءة
00:00:00