ملفات جيفري إبستين تفتح أخيرا.. وثائق السلطة والجريمة

الصورة
جيفري إبستين في هذه الصورة بتاريخ 28/3/2017، مقدمة من سجل مرتكبي الجرائم الجنسية في ولاية نيويورك | أسوشيتد برس
جيفري إبستين في هذه الصورة بتاريخ 28/3/2017، مقدمة من سجل مرتكبي الجرائم الجنسية في ولاية نيويورك | أسوشيتد برس
آخر تحديث

في واحدة من أضخم عمليات الإفراج الوثائقي في تاريخ الولايات المتحدة، نشرت وزارة العدل الأمريكية ملايين الملفات المرتبطة بقضية الممول الأمريكي الراحل جيفري إبستين المدان بإدارة شبكة واسعة للاتجار الجنسي بالقاصرات. 

هذا الإفراج الذي جاء متأخرا عن موعده القانوني وتحت ضغط سياسي وتشريعي مكثف، لا يقتصر على كشف تفاصيل جنائية صادمة، بل يفتح بابا واسعا أمام مساءلة أخلاقية وسياسية تطال دوائر النفوذ في عالم السياسة والمال والملكية والتكنولوجيا، داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وبينما تؤكد الحكومة الأمريكية أن ما نشر يمثل نهاية الملف من وجهة نظرها، يرى منتقدون وحقوقيون أن الحقيقة لا تزال مجتزأة، وأن العدالة ما زالت مترددة حين تقترب من أسماء ثقيلة الوزن.

أكبر إفراج وثائقي في تاريخ وزارة العدل

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، يوم الجمعة 30 كانون الثاني 2026، نشر:

  • أكثر من 3 ملايين صفحة من الوثائق.

  • نحو 180 ألف صورة.

  • أكثر من 2000 مقطع فيديو.

وهو أكبر إفراج حكومي عن ملفات قضية واحدة منذ إقرار قانون شفافية ملفات إبستين العام الماضي بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وقال نائب وزير العدل، تود بلانش، خلال مؤتمر صحفي:

"يمثل إفراج اليوم نهاية عملية شاملة ومعقدة للغاية لتحديد الوثائق ومراجعتها، بهدف ضمان الشفافية أمام الشعب الأمريكي والامتثال للقانون".

تأخير قانوني وتدقيق سياسي متصاعد

كان من المفترض نشر جميع الملفات بحلول 19 كانون الأول، إلا أن وزارة العدل أخفقت في الالتزام بالموعد، ما أثار موجة انتقادات حادة داخل الكونغرس ووسائل الإعلام.

وبررت الوزارة التأخير بتكليف مئات المحامين بمراجعة الوثائق لتحديد ما يجب حجبه حماية لهويات الضحايا أو للحفاظ على سلامة التحقيقات الجارية.

ورغم ذلك، واجهت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدقيقا واسعا بشأن وتيرة النشر وحجم الحذف "التعتيم"، في ظل اتهامات غير مباشرة بمحاولة حماية شخصيات نافذة.

ماذا تكشف الملفات؟

تشمل الوثائق المنشورة:

  • تفاصيل دقيقة عن فترة سجن إبستين.

  • تقريرا نفسيا أعد له أثناء احتجازه.

  • سجلات رسمية تتعلق بوفاته داخل السجن عام 2019.

  • ملفات تحقيق موسعة عن غيسلين ماكسويل، شريكته السابقة، المدانة بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات.

كما تحتوي على آلاف الرسائل الإلكترونية والمراسلات التي تعود لأكثر من عقد، وتكشف شبكة علاقات إبستين مع شخصيات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية بارزة.

الخلفية الجنائية: إدانة مبكرة لجيفري إبستين ونهاية غامضة

أدين إبستين عام 2008 في ولاية فلوريدا بتهمة استدراج فتاة تبلغ من العمر 14 عاما، بعد اتفاق إقرار بالذنب وصف على نطاق واسع بالمتساهل، وقضى حينها 13 شهرا في الحجز.

وفي آب 2019، وجد ميتا داخل زنزانته في أحد سجون نيويورك، بعد شهر واحد من توجيه اتهامات فدرالية جديدة له بالاتجار الجنسي، في حادثة صنفت رسميا على أنها انتحار، لكنها لا تزال مثار شكوك واسعة.

العائلة الملكية البريطانية في قلب الوثائق

تعد علاقة إبستين بالنخبة البريطانية من أخطر ما كشفته الملفات، فقد أظهرت رسائل إلكترونية متبادلة بين إبستين وشخص يشار إليه بـ "The Duke"، يعتقد أنه الأمير السابق أندرو ماونتباتن-ويندسور، نقاشات حول لقاءات خاصة في قصر باكنغهام "حيث الخصوصية الكاملة".

كما عرض إبستين في إحدى الرسائل تعريف الأمير على امرأة روسية "جميلة" تبلغ 26 عاما، وتعود هذه المراسلات إلى عام 2010، أي بعد إدانة إبستين، ما يناقض تأكيدات أندرو السابقة بأنه قطع علاقته به.

صور صادمة وضغوط سياسية

تضمنت الوثائق صورا يعتقد أنها تظهر الأمير أندرو منحنيا فوق امرأة مجهولة الهوية، وأخرى وهو يجثو على ركبتيه بجوار امرأة مستلقية، ضمن وثيقة من 100 صفحة من الصور الفوتوغرافية.

وعلق رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قائلا إن على أندرو أن يكون "مستعدا" للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي، مؤكدا أن نهجا يركز على الضحايا يقتضي تعاون كل من يمتلك معلومات ذات صلة.

وفي تشرين الأول، جرده شقيقه الملك تشارلز الثالث من ألقابه الملكية نتيجة تداعيات القضية.

سارة فيرغسون: مديح لرجل مدان

كشفت الوثائق مراسلات بين إبستين وسارة فيرغسون، الزوجة السابقة للأمير أندرو، وفي رسالة مؤرخة عام 2009، وصفته بـ"الصديق الاستثنائي والمميز"، رغم كونه حينها قيد الإقامة الجبرية.

اسم ولية عهد النرويج في الملفات

أفادت تقارير إعلامية بذكر اسم الأميرة ميته-ماريت، ولية عهد النرويج، مئات المرات في الوثائق، وأكد القصر الملكي النرويجي أنها أقامت أربعة أيام عام 2013 في منزل إبستين بفلوريدا عبر صديق مشترك، لكنها لم تزر جزيرته الخاصة.

استقالة سياسية في سلوفاكيا

في سلوفاكيا، أدت التسريبات الجديدة إلى استقالة ميروسلاف لايجتشاك، مستشار حكومي ووزير خارجية سابق، بعد نشر محادثات يُزعم أن إبستين عرض فيها نساء شابات، ونفى لايجتشاك الاتهامات مؤكدا عدم تورطه.

شخصيات المال والتكنولوجيا: مراسلات بلا إدانات

  • ريتشارد برانسون: رجل أعمال بريطاني ومؤسس مجموعة فيرجن غروب، ورد اسمه مئات المرات، مع رسائل فسرتها مجموعته لاحقا بأنها غير ذات دلالة جنسية.

  • إيلون ماسك: رجل أعمال، ناقش حضور حفلات محتملة، لكنه نفى زيارة الجزيرة، مؤكدا دعمه لنشر الملفات ومحاسبة الجناة الحقيقيين.

  • هوارد لوتنيك: رجل أعمال ووزير التجارة الأمريكي الأسبق، أظهرت الرسائل زيارته جزيرة إبستين رغم ادعائه قطع العلاقة.

  • كاسي واسيرمان: رئيس اللجنة المنظمة لأولمبياد لوس أنجليس 2028، اعترف بندمه على مراسلات قديمة مع غيسلين ماكسويل، مؤكدا عدم وجود علاقة له بإبستين.

ترامب في الملفات: ذكر واسع بلا اتهام

ذكر اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مئات المرات في الوثائق، مع سجلات طيران تعود لتسعينيات القرن الماضي، قبل الخلاف الذي قال إنه أنهى علاقته بإبستين.

وأكدت وزارة العدل أن البلاغات الواردة بحقه غير مثبتة ولا ترقى لاتهامات جنائية.

غضب الضحايا: فشل في الحماية

انتقدت محامية الضحايا غلوريا أولريد طريقة النشر، ووصفتها بـ"الفوضى الأخلاقية"، بعد كشف أسماء وصور بعض الناجين. وردت وزارة العدل بأنها تعمل على مزيد من التنقيح والحماية.

غيسلين ماكسويل: الإدانة الوحيدة

حتى الآن، تبقى غيسلين ماكسويل الشخص الوحيد الذي أدين جنائيا، وتقضي حكما بالسجن 20 عاما منذ 2021، مع استمرارها في إنكار التهم.

هل أغلق الملف حقا؟

رغم تأكيد وزارة العدل انتهاء مهمتها، يقول مشرعون ديمقراطيون إن نحو 2.5 مليون وثيقة لا تزال محجوبة دون تبرير كاف. 

ويبقى السؤال مفتوحا: 

هل كشفت هذه الوثائق الحقيقة كاملة؟ أم أنها أعادت إنتاج القناعة القديمة بأن العدالة تتوقف عند أبواب النفوذ؟

دلالات
00:00:00