أعلنت وزارة الزراعة عن بدء استقبال طلبات استيراد زيت الزيتون (الدفعة الثانية)، من قبل الشركات الراغبة والتي تنطبق عليها شروط الاستيراد
6 أسئلة تجيب عن زيت الزيتون في الأردن.. الإنتاج المحلي والمستورد
احتل زيت الزيتون مكانة خاصة في ثقافة الطعام الأردنية وبلاد الشام، فهو ليس مجرد مادة غذائية، بل جزء من التراث والزراعة التقليدية. ومع ذلك، يواجه الأردن تحديات متشابكة تتعلق بالإنتاج المحلي، وجودة الزيت، واختلاف الطعم بين المصادر نظرا لاستيراده من دول المجلس الدولي للزيتون، الذي تأسس في مدريد عام 1959 تحت إشراف الأمم المتحدة، ويضم المجلس أكثر من 40 دولة تمثل نحو 98% من الإنتاج العالمي للزيتون، وتعد تونس واليونان من دول المجلس التي يعتمد الأردن على استيراد زيت الزيتون منها.
فما هو واقع إنتاج زيت الزيتون المحلي؟ وما هي خلفيات الزيت المستورد من تونس واليونان؟ وما هي الاختلافات النوعية بين الأصناف الأردنية وتلك المستوردة؟
ما هو واقع إنتاج زيت الزيتون المحلي؟
في حديثه لـ حسنى يشير المهندس الزراعي جهاد مجاهد، وهو خبير بزيت الزيتون أيضا، إلى أن الإنتاج الأردني من زيت الزيتون لهذا الموسم لم يتجاوز 17 إلى 18 ألف طن، بينما كان متوسط الإنتاج السنوي حوالي 35 ألف طن.
ويستهلك الأردن ما يقارب 24 إلى 25 ألف طن سنويا، ما يخلق عجزا يصل إلى 7-10 آلاف طن تقريبا، ويعود انخفاض الإنتاج إلى عوامل مناخية مثل ضعف الأمطار في موسم 2025-2026، خاصة في الأشهر الحاسمة -كانون أول وكانون ثاني وشباط- عاملا حاسما لتشكيل البراعم، مما أثر سلبا على كمية الزيت المستخلصة من أشجار الزيتون البعلية، التي تشكل 77% من الأشجار في الأردن.
إن تأثير الموسم السابق الضعيف لا يتوقف عند سنته فقط، بل يستمر لمدة سنة إضافية، حيث تظهر نتائجه على إنتاجية العام التالي التي قد تكون أفضل ولكنها لا تصل لمستوى "الممتاز".
أدى تراجع الإنتاج بسبب هذه العوامل إلى حدوث نقص في كميات الزيت المتوفرة في الأردن، مما دفع وزارة الزراعة لفتح باب الاستيراد لتغطية العجز بعد توقف دام 20 عاما.
ويرجح أن موسم الزيتون استعاد حيويته واخضراره مؤخرا، ويتوقع أن يظهر أثر هذا التعافي في مواسم مستقبلية "مثل موسم 27/28".
لماذا يستورد الأردن زيت الزيتون من تونس واليونان؟
وتأتي الحاجة للاستيراد نتيجة العجز الموسمي في الإنتاج، وبحسب مجاهد، تعد تكلفة إنتاج الزيت في تونس أقل بكثير من غيرها؛ وذلك بسبب الإنتاجية العالية التي تصل إلى حوالي 500 ألف طن سنويا، ما يجعلها ثاني أكبر منتج بعد إسبانيا.
-
انخفاض تكاليف الإنتاج والعمالة: تتوفر في تونس الأراضي والمياه بالإضافة إلى عمالة رخيصة، ما يقلل من التكلفة الإجمالية للإنتاج مقارنة بأوروبا.
-
البيع بنظام "البلك" (الجملة): يفتقر قطاع الزيت في تونس إلى تقنيات التعبئة المتقدمة والقدرة التسويقية العالية؛ لذا يباع معظم الزيت من المعاصر أو عبر "ديوان الزيت" كزيت "بلك" غير معبأ مباشرة من المعصرة أو المنتج إلى المستهلك بأسعار منخفضة تصل إلى حوالي 2 يورو للتر.
-
غياب العلامات التجارية القوية: تونس لا تمتلك القدرة على تسويق علاماتها التجارية الخاصة عالميا بالقوة نفسها لإيطاليا وإسبانيا، مما يضطرها لبيع الزيت كمادة خام.
من جانبه أشار أحمد القواسمي وهو تاجر يستورد زيت الزيتون إلى استيراد الزيت اليوناني الذي ينتج في مناطق جبلية مثل أرغوس، ويتميز الزيت اليوناني بعدة خصائص تجعله مرغوبا.
-
تقاربه الكبير مع الزيت البلدي الأردني: ويعود ذلك إلى طبيعة المنطقة وإلى أن شجر الزيتون في تلك المنطقة شجر معمر، ما يمنح الزيت نكهة وخصائص تشبه إلى حد كبير الزيت المنتج محليا من الأشجار القديمة.
-
يتم استيراد زيت الزيتون في عبوات معدنية "تنك" سعة 5 لتر، وتشحن في كرتونة تحتوي على 20 لتر، وذلك وفقا لمواصفات وزارة الزراعة.
-
يصل سعر اللتر منه في منشئه إلى حوالي 5 يورو و40 سنتا، ويباع للمواطن في الأردن بسعر 105 دنانير للعبوة سعة 20 لتر "أي حوالي 26.25 دينار للجالون سعة 5 لتر".
كيف استفادت أوروبا من زيت الزيتون التونسي؟
-
إعادة التعبئة والتصدير: تستورد إيطاليا وإسبانيا "أكبر المستوردين من تونس" زيت الزيتون التونسي بنظام "بلك" وتعيد تعبئته في عبواتها الخاصة، ثم تصدره إلى أسواق عالمية مثل أمريكا والصين وكوريا تحت علامات تجارية مشهورة وبأسعار مضاعفة.
-
عمليات الخلط (Blending): يستخدم الخبراء الأوروبيون الزيت التونسي "البكر الممتاز" لخلطه مع زيوت أخرى للوصول إلى "توليفة" نكهات محددة تناسب ذوق المستهلك في دول معينة "مثل أستراليا أو بلغاريا"، وهو ما يمنح المنتج قيمة مضافة وقبولا عالميا.
-
الاستثمار المباشر: تقوم شركات إيطالية بالاستثمار في الزراعة الكثيفة داخل الأراضي التونسية للاستفادة من رخص الموارد والعمالة، ثم تنقل الزيت الناتج إلى إيطاليا لإعادة تعبئته وتوزيعه.
-
القرب الجغرافي: القرب المكاني عبر البحر المتوسط يسهل عملية نقل الزيت من تونس إلى الموانئ الإيطالية والإسبانية بتكاليف شحن منخفضة.
ما أسباب اختلاف طعم وجودة الزيت بين المصادر؟
أوضح مجاهد أن اختلاف طعم الزيت المستورد يعود لعدة عوامل، منها الأصناف المستخدمة، والبيئة المحيطة بزراعة الزيتون، وطريقة العصر، إضافة إلى عملية التخزين والفحوصات الكيميائية والحسية التي تحدد تصنيف الزيت.
-
اختلاف الأصناف (الوراثة): تمتلك الأردن وفلسطين أصنافا تعد من الأفضل عالميا مثل "النبالي البلدي" و"النبالي المحسن"، بينما تمتلك تونس أصنافا محلية مختلفة لكل صنف خصائص حسية (نكهة، مرارة، حدة) تميزه عن غيره.
-
البيئة والظروف الجغرافية: تؤثر البيئة المحيطة، بما في ذلك درجات الحرارة "سواء كانت عالية أو منخفضة" وطبيعة المنطقة المزروعة، بشكل مباشر على نكهة الزيت؛ فالزيتون يتأثر بمكانه تماما كبقية الثمار.
-
طرق العصر والمعالجة: تؤثر عملية التصنيع والعصر، والمدة الزمنية بين القطف والعصر، وطريقة التخزين على جودة ونكهة المنتج النهائي أي خلل في هذه السلسلة قد يُفقد الزيت قيمته المضافة ونكهته المميزة.
-
الاعتياد والثقافة الاستهلاكية: المستهلك الأردني اعتاد على طعم الزيت المحلي "الثقيل" والمرتبط ببلاد الشام، ولأنه لم يتم استيراد الزيت منذ عام 2008، فقد يجد المستهلك أي طعم مختلف (مثل الزيت التونسي أو غيره) غريبا أو "خفيفا" بلا طعم مقارنة بما تعود عليه.
ما دور عمليات الخلط في تحسين الزيت المستورد؟
تعد "توليفة الزيت" أو عملية الخلط (Blend) علما احترافيا يهدف إلى الوصول إلى طعم محدد، وليست عملية غش. وتبرز أهميتها في النقاط التالية:
-
الوصول إلى "النكهة المفضلة": تمتلك الشركات الكبرى "خاصة في إيطاليا وإسبانيا" خبراء تذوق قادرين على خلط أنواع مختلفة من زيت "البكر الممتاز" للوصول إلى توليفة تناسب ذوق المستهلك في دول معينة؛ فمثلا قد يفضل المستهلك في دولة ما مرارة عالية، بينما يفضلها آخر منخفضة.
-
تكييف الزيت التونسي للسوق الأردني: لجأ بعض المستوردين في القطاع الخاص الأردني إلى عملية خلط للزيت التونسي للوصول إلى "توليفة" تكون مقبولة ومستساغة لدى المستهلك الأردني الذي اعتاد على نكهة معينة.
-
القيمة المضافة: تمنح هذه التوليفات الشركات القدرة على تسويق منتجاتها عالميا، حيث يتم استيراد الزيت التونسي كخام "بلك" ثم إعادة صياغة نكهته عبر التوليف ليناسب الأسواق العالمية مثل أمريكا والصين.
كيف تؤثر الممارسات الزراعية والصناعية على جودة الزيت الأردني؟
كما أشار القواسمي إلى أن عملية استيراد الزيت إلى الأردن تتم وفق ضوابط وزارة الزراعة، حيث يتم استلام العينات في المراكز الحدودية وإخضاعها للفحوصات الكيميائية والحسية قبل السماح بدخولها للسوق المحلي، ويواجه المستوردون تحديات تتعلق بتأخير وصول الزيت من تونس بسبب نقص مصانع التعبئة المحلية، ما يستدعي أحيانا استيراد العبوات من دول أوروبية مثل إيطاليا لضمان سرعة التوريد.
وأجمع مجاهد والقواسمي على أن الأردن يمتلك أصنافا من الزيتون من بين الأفضل عالميا، لكن سوء الممارسات الزراعية والتخزين والتصنيع يؤدي إلى فقدان القيمة المضافة للزيت. التي تميز الأصناف الأردنية مثل النبالي أفضل الأصناف في العالم.
-
سوء النقل والتخزين قبل العصر: تعد هذه المرحلة من أخطر مراحل السلسلة الإنتاجية؛ حيث يقوم بعض المزارعين بوضع الثمار في أكياس بلاستيكية "شوالات" وتركها لفترات طويلة تصل إلى أسبوع قبل نقلها للمعصرة، هذا التأخير يؤدي إلى تعفن الثمار وتخمرها، ما ينتج عنه زيت بجودة متدنية ونكهة غير مستساغة.
-
إهمال العناية بالشجرة - المزارع الموسمي: يصف الخبراء بعض المزارعين بأنهم يفتقرون لثقافة المتابعة المستمرة، حيث لا يزورون الشجرة إلا في وقت القطف، هذا الإهمال، وخاصة غياب "الري التكميلي" خلال أشهر الصيف الحارة والجافة، يؤثر سلبا على صحة الثمار وجودة الزيت المستخرج منها، خاصة في ظل التغيرات المناخية الحالية.
-
عمليات التصنيع في المعصرة: تلعب المعصرة دورا كبيرا يمثل حوالي 30% من جودة الزيت النهائي، أي خلل في طريقة التصنيع أو عدم الالتزام بالمعايير الفنية داخل المعصرة يسهم في خفض تصنيف الزيت من "بكر ممتاز" إلى درجات أقل، حتى وإن كانت الثمار جيدة في الأصل.
-
تراكم الأخطاء في السلسلة الإنتاجية: جودة الزيت هي نتيجة سلسلة تبدأ من المزارع وتمر بالقطاف والنقل ثم العصر والتخزين؛ فالممارسات غير السليمة في أي من هذه الخطوات (مثل خلط الثمار المصابة مع السليمة أو التخزين السيئ بعد العصر) تضيع الجهد المبذول وتفقد الزيت قيمته الاقتصادية.
ومع التوسع في الرقعة المزروعة واتباع أساليب الري التكميلية، يمكن رفع إنتاجية الزيت وجودته، مما يعزز القدرة التصديرية ويوفر فرصا اقتصادية أكبر للقطاع الزراعي.
يبقى زيت الزيتون الأردني أحد الرموز الغذائية والثقافية الهامة، لكن إنتاجه المحلي غير مستقر ويعتمد على عوامل مناخية وممارسات زراعية. في المقابل، الاستيراد من تونس واليونان يعالج النقص الموسمي، لكنه يطرح تحديات تتعلق بالتكلفة والطعم والتسويق، ومع اتباع سياسات تحسين الإنتاج المحلي وتعزيز الرقابة والجودة، يمكن للأردن أن يحقق توازنا بين الاستهلاك المحلي والإمكانيات التصديرية، بما يعكس قيمته الاقتصادية والثقافية في المنطقة.
اقرأ المزيد.. وزارة الزراعة تفتح باب استيراد زيت الزيتون "الدفعة 2"