يوم الجيش وذكرى الثورة العربية.. ثنائية المجد والكرامة

الصورة
محطات من تاريخ الجيش العربي
محطات من تاريخ الجيش العربي
آخر تحديث

في العاشر من حزيران من كل عام، يتنفس الأردن المجد ملء رئتيه، وتكتسي جبال عمان وسهول حوران برداء العزة والكرامة، إنه اليوم الذي تتوحد فيه دقات قلوب الأردنيين احتفاء بتوأمين وُلدا من رحم المعاناة ليعيدا صياغة التاريخ: ذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش العربي الأردني. 

إنها المناسبة التي يتداخل فيها عبق الرصاصة الأولى التي أطلقها الشريف الحسين بن علي من مكة المكرمة، بصلابة الجباه السمر لجنود الجيش العربي الذين ما فتروا يوما عن تقديم أرواحهم رخيصة ليبقى الأردن حصنا منيعا، والوطن العربي واحة أمن واستقرار.

الفكرة القومية والرصاصة الأولى: ولادة فجر الانعتاق

لم تكن الثورة العربية الكبرى مجرد حركة عسكرية عابرة، بل كانت تجسيدا لوعي قومي تغلغل في وجدان الأمة عبر السنين ليحدد تطلعاتها نحو الحرية والوحدة والحياة الفضلى.

وما إن أطلق الشريف الحسين بن علي الرصاصة الأولى من شرفة قصره في مكة يوم 10 حزيران 1916، حتى لبّى العرب الأحرار نداءه مسنودين بعزيمة أبنائه الأمراء (علي، وعبد الله، وفيصل، وزيد). غدت الثورة حدثا مفصليا غيّر وجه المنطقة، معلنا البداية الحقيقية لنهضة الأمة وانعتاقها من عقود الظلم والتبعية.

التأسيس والشرعية الهاشمية: بناء الأردن على مبادئ الثورة

منذ اللحظة الأولى لتأسيسه، حمل الأردن على عاتقه رسالة الثورة العربية الكبرى بوصفه الوريث الشرعي والصلب لمبادئها. وسعت الدولة الأردنية إلى تحويل تلك المبادئ إلى واقع معاش من خلال بناء وطن عصري يجمع بين الأصالة والحداثة. هذا الدرب الذي بدأه الملك المؤسس عبد الله الأول، استمر وتعمق برعاية ملوك بني هاشم المخلصين؛ الملك طلال، والملك الحسين بن طلال، وصولا إلى عهد الملك المعزز عبد الله الثاني بن الحسين، الذي قاد القوات المسلحة لتتبوأ مراتب التميز والاحترافية العالمية.

خريطة الدم والسلاح: التنظيم العسكري وتطور قوة النار

انطلقت نواة الجيش العربي من النخبة التي اتحدت تحت راية الأمير عبد الله بن الحسين في 21 تشرين الأول 1920 في معان، ومع تأسيس الإمارة وتشكيل أول حكومة أردنية عام 1921، ولدت "القوة السيارة" بقوام 750 رجلا من الدرك والمشاة والنظامية والهجانة. 

وتطور الجيش بخطى ثابتة، فبين عامي 1921 و1923 تجاوز العدد 3 آلاف جندي، وبرزت الحاجة لمضاعفة القوات مع توسع الحدود لتشمل معان والعقبة، مما قاد لتأسيس "قوات البادية" (قوة الصحراء) عام 1930 بقيادة الجنرال كلوب، وبدأت بـ8 أفراد و4 سيارات لتتحول سريعا إلى قوة ضاربة لحفظ الأمن.

ولمواكبة هذا التوسع البشري، كانت قوة النار تتطور على النحو التالي عشية حرب 1948:

نوع السلاح والعتاد العسكري العدد والكمية المتوفرة
مدرعات ثقيلة (عليها مدفع 2 رطل ورشاشين) 72 مدفعا
مدرعات استطلاع (مزودة برشاش) 52 مدرعة
مدفع ميدان عيار 25 رطلا 16 مدفعا
مدفع مضاد للدبابات عيار 6 أرطال 38 مدفعا
مدفع هاون عيار 3 بوصات 40 مدفعا
مدفع هاون عيار 2 بوصة 29 مدفعا
رشاش "برن" خفيف 334 رشاشا
رشاش متوسط "فيكرز" 22 رشاشا
رشاش "طومسون" 668 رشاشا
بنادق نظامية 7359 بندقية

ملاحظة تاريخية: هذه الإحصائية العسكرية لا تشمل 1150 بندقية و35 رشاشا قدمها الجيش العربي كدعم لوجستي مباشر للمناضلين الفلسطينيين في معاركهم.

أسوار القدس وباب الواد: معارك الشرف على أرض فلسطين

في أيار 1948، دخلت القوة القتالية للجيش العربي (والبالغ قوامها 4500 جندي وضابط من أصل 6500) أرض فلسطين يحدوها الواجب القومي، وسطر الجيش صفحات مشرفة بدمائه عند بوابات القدس، واللطرون، وباب الواد؛ حيث أحكمت الكتيبة الرابعة بقيادة حابس المجالي، والكتيبة السادسة بقيادة عبد الله التل، السيطرة على القاطع الأوسط وحالت دون احتلال القدس بالكامل.

ورغم فرض الأمم المتحدة للهدنة في 11 حزيران 1948 وضغوط مجلس الأمن وحجز باخرة ذخيرة بريطانية في قناة السويس، واصل الملك المؤسس (والذي اختير بالإجماع قائدا عاما للقوات العربية) التحدي، فأنشأ الكتيبة الخامسة أثناء العمليات، وتصدى الجيش للقوات الإسرائيلية وحمى مناطق نابلس وجنين وطولكرم بعد انسحاب القوات الأخرى، مخلفا وراءه 350 شهيدا وأكثر من 1000 جريح سقت دماؤهم ثرى فلسطين الزكي.

صقور ماركا في السماء: ولادة سلاح الجو الملكي

برزت الحاجة الماسة لإسناد جوي حقيقي خلال حرب 1948، وبتوجيه ملكي في 22 تموز 1948، بدأ تدريب أولى الطليعة من الطيارين الأردنيين بإيفادهم إلى مدرسة الطيران الابتدائية في "بكنغهام" ببريطانيا. وفي صباح الخميس 19 تموز 1951، شهد مطار ماركا ولادة نواة سلاح الجو الملكي الأردني باحتفال تخريج 8 طيارين (3 طيار ملاحظة و5 طيار نقل). وتطور السلاح ليتكون من طائرات (أوستر، دراجون رابيد، ودوف)، والتي جمع المواطنون الأردنيون ثمنها من أموالهم الخاصة تعبيرا عن التفافهم حول جيشهم.

عهد الإصلاح السيادي: الدستور والقرار التاريخي بتعريب القيادة

شهد عهد الملك طلال بن عبد الله (1951-1952) قفزة تشريعية بإنجاز دستور 1952، وصدور 207 قوانين وأنظمة تخص القوات المسلحة، وتأسيس "أسطول الجيش العربي" (القوة البحرية) في البحر الميت.

ومع تسلم الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية عام 1953، اتخذ في 1 آذار 1956 قراره السيادي والتاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي وطرد القيادات الأجنبية، تلاه إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية عام 1957، لتبدأ مرحلة البناء الخالص بسواعد أردنية؛ وفُصل الدرك عن الجيش، وأعيد تنظيم القوات المسلحة لتأسيس القوة المدرعة الملكية عام 1961 وقانون القوات المسلحة الأردنية عام 1964.

من الكرامة إلى الجولان: كسر أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"

خاض الجيش الأردني معركة السموع عام 1966 ببسالة، ودخل حرب حزيران 1967 مدافعا عن القدس والمسجد الأقصى حيث استشهد 100 جندي فوق أسواره وبمعزل عن خطوط الإمداد. 

وفي 21 آذار 1968، جاءت معركة الكرامة الخالدة لتصنع النصر الأكبر؛ حيث قاتلت 23 وحدة عسكرية أردنية على جبهة امتدت لأكثر من 100 كم (من مثلث المصري إلى غور فيفا) بمساحة 1200 كم مربع، ملحقة بالعدو هزيمة تاريخية غيرت موازين القوى. 

وفي حرب تشرين 1973، هبّ اللواء المدرع 40 الأردني إلى جبهة الجولان السورية، وخاض معارك صاعقة مشتركة مجبرا القوات الإسرائيلية على التراجع 10 كم، ومقدما 23 شهيدا في مقدمتهم النقيب فريد الشيشاني.

سيادة القانون وحفظ السلم: عمليات الأمن الداخلي والتفويض الدولي

مر الأردن بمنعطف خطير (1969-1971) جراء انحراف بعض فصائل العمل الفدائي، ووصلت الذروة بتفجير 3 طائرات مخطوفة في "قيعان خنا" بالزرقاء، مما استدعى تدخل الجيش الحازم لإخراج الفصائل المسلحة من المدن وفرض سيادة القانون وضمان أمن المواطن، وهو ما تُوج بتوقيع اتفاقية القاهرة.

وعلى الصعيد الدولي، بدأت رسالة السلام الأردنية منذ مراقبة تنفيذ القرار 181 في فلسطين بشكل غير رسمي، لتتحول في عام 1989 (بعثة أنغولا) إلى مشاركة رسمية واسعة تحت راية الأمم المتحدة. ووصل حجم المشاركة الأردنية حتى عام 2013 إلى 102.098 ضابطا وفردا شاركوا في 19 مهمة دولية شملت 38 دولة، وقدمت القوات الأردنية في سبيل السلم العالمي 38 شهيدا حظوا بتقدير واستقبال ملكي مهيب عند عودتهم إلى ثرى الوطن.

الجيش الإنسان والمحاربون القدامى: أبعاد الرعاية الطبية والوفاء لرفاق السلاح

لا تقتصر عقيدة الجيش العربي على القتال، بل امتدت لتشمل "الجانب الإنساني العابر للحدود". وبتوجيهات من الملك عبد الله الثاني، انطلق المستشفى الميداني الأردني الأول إلى قطاع غزة في 28 كانون الأول 2009 بطاقم من 216 عسكريا، وتوالت البعثات لتصل إلى أكثر من 62 مستشفى ميدانيا ومحطات جراحية مستمرة في رام الله وجنين، بالإضافة إلى تقديم المساعدات الطبية الطارئة في مناطق الكوارث والحروب مثل لبنان (عقب انفجار مرفأ بيروت)، وأفغانستان، وإيران، والعراق، وليبيا، مسجلة معالجة ما يقارب 4 ملايين مراجع.

وتقديرا لجهود هؤلاء الأبطال، أصدر الملك عبد الله الثاني توجيهاته السامية لتخصيص الخامس عشر من شباط من كل عام يوما وطنيا للمحاربين القدامى والمتقاعدين العسكريين، ليكون وقفة وفاء وطنية لرفاق السلاح الذين بنوا مجد الدولة الأردنية بدمائهم وعرقهم.

الحرب العالمية على الإرهاب والتحدي السوري: حماية الحدود وصون العقيدة

أمام خطر التطرف العالمي، اتخذ الأردن بقيادته الهاشمية موقفا هجوميا حازما؛ وشاركت القوات المسلحة وسلاح الجو الملكي في دك أوكار التنظيمات الإرهابية، وقدم الجيش في هذه الحرب تضحيات جليلة أبرزها الشهيد النقيب الطيار معاذ الكساسبة. وتوجت هذه الجهود بإنشاء مركز تدريب أردني أمريكي مشترك عام 2017 يمنح درجة الماجستير في مكافحة الإرهاب، وصياغة استراتيجية أمنية وفكرية ثلاثية الأبعاد (داخلي، إقليمي، دولي) للدفاع عن جوهر الدين الإسلامي الحنيف.

وفي السياق ذاته، وعلى الواجهة الشمالية الممتدة على طول 375 كم، واجهت قوات حرس الحدود الأزمة السورية منذ 15 آذار 2011؛ حيث نجح "الجيش المقاتل" في الموازنة بين الواجب الأمني (تفكيك الخلايا النائمة، مكافحة تهريب المخدرات والأسلحة) والواجب الإنساني، باستيعاب وتأمين الرعاية واللوجستيات لـ1.377.552 لاجئا سوريا، وإنشاء مستشفى ميداني مخصص لعلاجهم في المنطقة الحرة.

سوفكس والأسد المتأهب: التصنيع العسكري والجاهزية للمستقبل

دخل الأردن بقوة إلى عالم تصنيع السلاح الدفاعي عبر إنشاء "مركز الملك عبد الله الثاني للتصميم والتطوير" (KADDB)، وغدت عمان عاصمة للمعارض العسكرية الدولية من خلال احتضان معرض العمليات الخاصة "سوفكس" بصفة دورية كل عامين، حيث شهدت دورة 2018 مشاركة 352 شركة من 62 دولة. 

وتوازيا مع التطور التكنولوجي وتحديث الهيكلية العسكرية لزيادة فاعلية وقوة النار، تنفذ القوات المسلحة تمارين دولية مشتركة لتبادل الخبرات، أبرزها تمرين "الأسد المتأهب" الذي شاركت في دورته التاسعة عام 2019 حوالي 29 دولة.

السيادة الكاملة والخطوط الأمامية: استعادة الباقورة والغمر ومواجهة الجائحة

شهد التاريخ الأردني الحديث ومضات سيادية فارقة؛ فبعد أن تسلم الجيش الأردني منطقتي الباقورة والغمر في 11 شباط 1995 بموجب اتفاقية السلام، جاء القرار التاريخي الصارم للملك عبد الله الثاني في 21 تشرين الأول 2018 بإنهاء العمل بملحقي الأراضي المؤجرة. 

وفي 1 أيار 2020، فرض الأردن سيادته الكاملة على كل شبر فيهما، وأعلن رسميا عدم أحقية أي إسرائيلي بدخولهما، وفتحت الأبواب للمواطنين ليعيشوا لحظات العز القومي.

ولم تنتهِ معارك الجيش عند الحدود، بل تجلت في معركة الدفاع الصحي عن المواطن؛ فمع تفشي وباء كورونا في منتصف آذار 2020 وتفعيل قانون الدفاع، انتشرت القوات المسلحة في الشوارع الرئيسية وأغلقت مداخل المدن بنسبة طوارئ 100% لتطبيق أوامر منع التجول، مقدمة صورة ناصعة عن "الجيش الإنسان" الذي يوزع الدواء والمساعدات ويحمي الأرواح، ليبقى الجيش العربي الأردني –كما كان دائما– صمام الأمان، وعنوان الدولة، وسياج الوطن الحصين.

اقرأ المزيد.. الأردن يحتفل باستقلاله الـ80

الأكثر قراءة
00:00:00