صحفي رياضي، مقدم برنامج في التسعين
المدرب الأردني.. موظف مياومة بانتظار الإقالة
يمكن القول إن "مقصلة المدربين" في الدوري الأردني للمحترفين باتت من أكثر الظواهر إثارة للجدل بعد أن اكتمل عقد المدربين الراحلين عن فرقهم برحيل شيخ المدربين الأردنيين عيسى الترك من شباب الأردن، حيث تحولت الاستقالات والإقالات إلى مشهد مألوف بعد نهاية كل جولة من جولات الدوري.
أزمة هيكلة
عندما نصل إلى مرحلة يتم فيها تغيير كل مدربي الدوري في موسم واحد، فنحن لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن أزمة هيكلية في منظومة كرة القدم الأردنية. هذه الأزمة فرضت الكثير من التساؤلات على رأسها: من المسؤول عن "تفريغ" الدوري الأردني من مدربيه؟
الحلقة الأضعف في مشهد رحيل المدربين
مشهد رحيل المدربين عن فرقهم بات يتكرر في كل أسبوع، وتصدرت أخبار إقالات المدربين عناوين الصحافة الرياضية الأردنية، حتى خُيّل للمتابع أن عقد المدرب في أنديتنا هو "عقد مؤقت" ينتهي مع أول تعثر أو تعادل.
هذا التخبط الفني يطرح سؤالا جوهريا: هل المدرب هو الحلقة الأضعف دائما، أم أنه مجرد "شمّاعة" لتعليق أخطاء إدارية أعمق؟
هل هذا الإجراء طبيعي؟
بالتأكيد لا. في الأعراف الكروية العالمية، الاستقرار الفني هو حجر الزاوية لأي إنجاز؛ فتغيير المدرب وسط الموسم هو "حل الطوارئ" وليس "الخطة الأساسية"، وما يحدث في الدوري الأردني يتجاوز المنطق الرياضي، حيث نجد أندية تغير مدربين أو ثلاثة في مرحلة الذهاب فقط، مما يؤدي إلى تشتت هوية الفريق الفنية، وليس هذا فحسب، بل وإهدار الموارد المالية المحدودة أصلا (بسبب الشرط الجزائي).
يضاف إلى ما ذكرنا فقدان الثقة بين اللاعبين والجهاز الفني الجديد الذي يحتاج وقتا للتأقلم.
من يتحمل اللوم؟
لا يمكن إلقاء اللوم على طرف واحد في انتشار هذه الظاهرة بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع على النحو الآتي:
-
الإدارات (العاطفة فوق التخطيط): للأسف تفتقر معظم إدارات الأندية الأردنية إلى "اللجان الفنية" المتخصصة، وفي ظل هذا الغياب يكون القرار غالبا رد فعل عاطفيا لامتصاص غضب الجماهير بعد خسارة مباراة، دون النظر إلى جودة الأداء أو الظروف المحيطة (مثل تأخر الرواتب أو نقص الملاعب التدريبية).
-
الضغط الجماهيري الذي يؤدي إلى قرارات شعبوية: وهنا لا بد من التأكيد أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تلعب دورا سلبيا في الضغط على الإدارات؛ فالجمهور يطالب بالبطولات والنتائج الفورية، وغالبا ما يطالب برحيل المدرب عند أول كبوة، مما يدفع الإدارات لاتخاذ قرارات "شعبوية" للحفاظ على كراسيها.
-
المدربون: اللافت في هذا الشأن أن بعض المدربين يقبلون العمل في بيئات يعلمون مسبقا أنها غير مهيأة للنجاح، أو يوافقون على تدريب فرق لا تناسب فلسفتهم لمجرد التواجد في المشهد، مما يجعلهم عرضة للإقالة السريعة.
فاتورة باهظة
إن استسهال عملية الإقالة يعكس غياب الرؤية بعيدة المدى، فالنادي الذي يغير مدربه باستمرار يدخل في دوامة مفرغة من الديون والنتائج المتذبذبة، وبدلا من تصويب الأوضاع يسير النادي في الاتجاه المعاكس تماما.
الخروج من النفق
ما المطلوب للخروج من هذا النفق؟
-
مأسسة الأندية: بحيث يتم اختيار المدرب بناء على مشروع فني واضح، وليس مجرد اسم متاح.
-
الصبر الاستراتيجي: والمقصود إعطاء المدرب فرصة كاملة (موسم كامل على الأقل) لتقييم عمله بناء على الإمكانيات المتاحة.
-
تفعيل دور اللجان الفنية: ليكون قرار الإقالة مبنيا على تقارير علمية وليس على نتيجة مباراة واحدة.
إقالة جميع مدربي الدوري ليست دليلا على قوة المنافسة أو الرغبة في التطوير، بل هي صرخة استغاثة تؤكد أن كرتنا المحلية تعاني من عشوائية إدارية، والاستقرار هو الحل، والمدرب ليس ساحرا ليغير واقعا مترديا بين ليلة وضحاها، وهو ليس موظف مياومة يمكن الاستغناء عن خدماته في لحظة انفعال.