حذر نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي، من خطورة التصعيد المتسارع في المنطقة، مدينا الاعتداءات الإيرانية التي
إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. صراع القوى الكبرى وسباق الهيمنة الإقليمية
في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة، تتزايد الأسئلة حول ما إذا كان الشرق الأوسط يقف بالفعل أمام لحظة تحول تاريخية قد تعيد رسم موازين القوة وحدود النفوذ السياسي والأمني.
وفي هذا المضمار، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية محمد أبو رمان أن ما يجري يتجاوز كونه مواجهة عسكرية عابرة، ليعكس صراعا مركبا بين قوى دولية وإقليمية يسابق الزمن لإعادة ترتيب المنطقة وفق معادلات جديدة.
3 لاعبين يرسمون مسار الصراع
يشير أبو رمان في حديثه لـ حسنى إلى أن فهم المشهد يبدأ بتحديد الفاعلين الرئيسيين في الحرب الجارية، وهم الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، حيث تسعى واشنطن إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز تحالفها الوثيق مع تل أبيب، وهو تحالف بلغ -وفق تقديره- مستوى غير مسبوق في المرحلة الحالية.
ويرى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تعد قائمة فقط على المصالح السياسية التقليدية، بل باتت تتأثر أيضا بعوامل أيديولوجية ودينية داخل مراكز القرار الأمريكي.
البعد الأيديولوجي في السياسة الأمريكية
بحسب أبو رمان، لا يمكن تفسير السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط من زاوية المصالح الاستراتيجية وحدها، إذ يلعب التيار المسيحي الصهيوني داخل الولايات المتحدة دورا متصاعدا في توجيه السياسة الخارجية تجاه المنطقة، إلى جانب جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل".
ويؤكد أن هذا البعد يفسر بدرجة كبرى طبيعة الانخراط الأمريكي في المواجهة مع إيران، باعتبار أن أمن "إسرائيل" أصبح جزءا مركزيا من الحسابات الأمريكية.
إيران بعد المرشد.. صراع داخلي على القرار
يرى أبو رمان أن إيران تمر بمرحلة شديدة الحساسية عقب غياب المرشد الأعلى علي خامنئي الذي قتل في هجوم إسرائيلي استهدف مقر إقامته في العاصمة الإيرانية طهران، في الـ28 من شباط الماضي، ما أوجد انقسامات عميقة داخل النخبة السياسية والدينية، إضافة إلى فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع.
ويبرز في هذا السياق صراع بين تيار إصلاحي يميل إلى احتواء التصعيد، وآخر يقوده الحرس الثوري يرى أن المواجهة الحالية معركة وجودية تستدعي توسيع نطاق الحرب ورفع كلفتها الإقليمية والدولية.
الحرس الثوري ومنطق توسيع الحرب
ويرى أبو رمان بأن الصراع الداخلي في إيران يتمحور حول انقسام عميق بين النخبة السياسية والدينية، وهو صراع يتجاوز مجرد اختلاف وجهات النظر ليصل إلى مستويات مصيرية ووجودية، وتظهر أبرز ملامح هذا الصراع فيما يلي:
-
انقسام الرؤية الاستراتيجية والميدانية: يقود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي تيارا تدعمه القوى الإصلاحية، يميل نحو خيارات دبلوماسية وربما صفقات تخرج إيران من أزماتها. في المقابل، يرى الحرس الثوري أن المعركة الحالية هي "معركة وجودية"، ويهدف من خلال تصعيدها إقليميا واستهداف المصالح الأمريكية لرفع الكلفة إلى أقصى حد لضمان بقاء نظام "ولاية الفقيه" وتجنب سيناريو الانهيار أو التغيير القسري للنظام.
-
الشرعية والجدل حول "ولاية الفقيه": يبرز الصراع في التشكيك المتزايد في شرعية نظام ولاية الفقيه، ليس فقط شعبيا بل حتى داخل النخبة الدينية، بوجود تيار ديني قوي وينمو داخل إيران يطالب بمراجعة هذا المبدأ أو الخروج منه. كما يشير أبو رمان إلى أن القاعدة الاجتماعية الداعمة للنظام بصيغته الحالية قد تراجعت لتصل إلى نحو 20% فقط من الإيرانيين.
-
المصالح الاقتصادية والضمانات الأمنية: لم يعد الحرس الثوري مجرد تيار أيديولوجي، بل أصبح يمتلك مصالح اقتصادية واجتماعية واسعة وشبكة معقدة من النفوذ. لذا فإن جزءا من الصراع يدور حول رغبة الحرس الثوري في الحصول على ضمانات بعدم "الاستئصال" في حال حدوث أي تحول سياسي "على غرار ما حدث لحزب البعث في العراق"، وضمان أمن قياداته من العقاب والحفاظ على الحد الأدنى من مصالحهم .
-
البحث عن مخرج: يظهر الصراع في محاولة الوصول إلى صيغة توافقية داخلية تضمن تحولا تدريجيا مقبولا دوليا وشعبيا، وفي الوقت نفسه لا تثير ذعر الحرس الثوري. ويعتقد أن التيار الذي يمثله بزشكيان وعراقجي هو المؤهل لعقد مثل هذه الصفقة مع الحرس الثوري أولا ثم مع القوى الدولية ثانيا، خاصة إذا فقد الحرس الثوري قدراته الصاروخية أو شعر بانسداد الأفق العسكري.
-
تأثير غياب التوازن: كان المرشد الأعلى السابق "خامنئي" يمثل نقطة توازن بين هذه الأجنحة المتصارعة، وبوفاته اتسع الانقسام وأصبح التنافس على من سيمسك بزمام القوة في مرحلة ما بعده أكثر حدة، مما دفع الحرس الثوري للاندفاع نحو خيارات تصعيدية لتثبيت موقعه .
ووفقا لأستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية محمد أبو رمان، فإن قدرة التيار الإصلاحي على الوصول إلى صفقة داخلية مع "النخبة الحاكمة" هي التي ستحدد مستقبل الانتقال السياسي في إيران.
ميزان القوة يميل لصالح واشنطن وتل أبيب
يشدد أبو رمان على أن الفجوة العسكرية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، تمثل عاملا حاسما في مسار الحرب، موضحا أن التفوق الاستخباري والجوي يمنح الطرفين قدرة عالية على فرض الوقائع الميدانية.
ويرى أن تراجع القدرات الصاروخية الإيرانية قد يدفع طهران لاحقا نحو البحث عن تسوية سياسية عبر التيار الدبلوماسي داخل النظام.
اختلاف أهداف ترامب ونتنياهو
يلفت أبو رمان إلى وجود تباين محتمل بين أهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و"رئيس الوزراء الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، إذ يسعى ترامب إلى تحقيق انتصار سياسي بأقل كلفة ممكنة، بينما تميل "إسرائيل" إلى إضعاف إيران جذريا وربما إعادة تشكيل نظامها السياسي.
ويؤكد أن نقطة الالتقاء بين الطرفين قد تظهر عند فرض تسوية تنهي البرنامج النووي والصاروخي الإيراني وتحد من دور طهران الإقليمي.
الشرق الأوسط في ظل الهيمنة الإسرائيلية
يذهب أبو رمان إلى أن نتائج المواجهة الحالية قد تفتح المجال أمام ما يسميه "نظرية الهيمنة العسكرية الإسرائيلية المطلقة"، ما يفرض تحديات كبيرة أمام دول المنطقة لإعادة بناء توازن إقليمي جديد.
ويحذر من أن تداعيات هذا التحول ستنعكس مباشرة على العراق ولبنان، مع احتمالات إعادة ترتيب موازين القوى الداخلية فيهما عقب تراجع النفوذ الإيراني.
الضفة الغربية الهدف التالي
يعتبر أبو رمان أن الضفة الغربية مرشحة لتكون الساحة الأكثر تأثرا في المرحلة المقبلة، متوقعا أن تستثمر "إسرائيل" فائض القوة الناتج عن الحرب لتعزيز سياساتها هناك، وربما المضي في ضم تدريجي للأراضي الفلسطينية بدعم أمريكي غير معلن.
نحو نظام إقليمي جديد
يخلص أبو رمان إلى أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة ترتبط أيضا بالصراع الدولي الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، حيث تعمل واشنطن -وفق قراءته- على ترتيب المسرح الدولي استعدادا لمنافسة استراتيجية طويلة المدى.
ويرى أن مستقبل الحرب سيتحدد بقدرة القوى داخل إيران على الوصول إلى تسوية داخلية تفتح الباب أمام تحول سياسي تدريجي يعيد دمج طهران في النظام الدولي، أو استمرار المواجهة بما يحمله ذلك من تغييرات جذرية في خريطة الشرق الأوسط.