التحدي والاستجابة: الوعي العربي الجديد

الصورة
طائرات إف 35 إسرائيلية خلال الحرب على إيران | تعبيرية
طائرات إف 35 إسرائيلية خلال الحرب على إيران | تعبيرية
آخر تحديث

يطرح المفكر والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي مبدأ التحدي والاستجابة بوصفه أحد المفاتيح التفسيرية لفهم نشوء الحضارات وتطورها، هذا المبدأ الذي يقوم على فكرة مركزية تفسر مشاريع النهضة بوصفها استجابة للتحديات الحضارية التي تواجهها الأمة؛ فعند توينبي الأمم لا تنهض في ظروف الراحة والطمأنينة، بل تتشكل قدرتها التاريخية حين تواجه تحديات كبرى تفرض عليها أن تولّد استجابات موازية لحجم تلك التحديات، وكلما ارتفع مستوى التحدي ارتفع مستوى الاستجابة، شريطة أن تكون الأمة حية في وعيها التاريخي، قادرة على إدراك المخاطر التي تواجهها أولا، ثم قادرة على إنتاج استجابة عقلانية تتناسب مع حجم هذا الخطر، أما حين تفقد الأمة قدرتها على إدراك التحدي أو تعجز عن توليد استجابة ملائمة له، فإنها تدخل في طور التراجع التاريخي. 

كيف ننظر إلى واقع الأمة العربية من خلال مبدأ التحدي والاستجابة؟

ومن خلال هذا الفهم لمبدأ توينبي، يمكن النظر إلى واقع الأمة العربية خلال القرن الأخير بوصفه واقعا تشكل تحت وطأة تحد جوهري مستمر، يتمثل في زرع الكيان الصهيوني الاستيطاني في قلب الجغرافيا العربية منذ ما يزيد على 100 عام، وهو ما مثّل تحديا بنيويا عميقا مس بنية الأمن العربي والهوية السياسية للمنطقة.

وعلى امتداد العقود الماضية، ولّد هذا التحدي أشكالا متعددة من الاستجابات العربية؛ تراوحت بين المواجهة العسكرية، والعمل السياسي والدبلوماسي، وبناء منظومات التحالف الإقليمي، وصولا إلى محاولات إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي في ظل التحولات الدولية المتسارعة، غير أن هذه الاستجابات لم تكن دائما على مستوى التحدي، الأمر الذي أبقى المنطقة في حالة توتر دائم مع استمرار مشروع الاستيطان الصهيوني وتنامي أنيابه وفشل الاستجابات العربية في تقليم أنياب هذا المشروع الذي لا يخجل من التصريح علنا بعدائه التام والصريح لجميع الدول العربية.

الوجود العسكري الأمريكي من مصدر استقرار إلى تهديد

وضمن هذا السياق، يأتي العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران بوصفه محطة جديدة تكشف عن تحولات عميقة في معادلة الأمن الإقليمي، فقد أدت هذه المواجهة إلى اتساع دائرة الصراع بحيث لم تعد محصورة بين أطرافه المباشرين، بل انعكست تداعياتها على دول المنطقة بأكملها، بما في ذلك دول الخليج العربي والأردن، وضمن الرد الإيراني على الهجوم الأمريكي الصهيوني عليها، اعتدت إيران على جوارها العربي، وهنا يتجلى تحد جديد يفرض على النظام الإقليمي العربي التفكير في استجابة مختلفة عما كان سائدا خلال العقود الماضية.

فقد ظل الجدل في مراكز القرار العربي، وكذلك في النقاشات العامة داخل المجتمعات العربية، يدور حول فكرة أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يشكل عنصر توازن واستقرار، وأنه يمثل صمام أمان يحول دون انزلاق المنطقة إلى فوضى أمنية كبرى، إلا أن تطورات هذه الحرب كشفت عن مفارقة عميقة في هذه الفرضية؛ إذ بدا أن هذا الوجود لا يوفر حماية حقيقية للدول العربية عندما تواجه المنطقة تهديدا مباشرا، بل إن هذا الوجود ذاته قد يتحول في بعض الحالات إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار.

فالسياسات الأمريكية المنحازة بصورة واضحة للمصالح الإسرائيلية، واستعداد واشنطن للمغامرة الاستراتيجية في المنطقة، يضعان الدول العربية في موقع بالغ الحساسية، حيث تصبح أراضيها ومجالها الجغرافي جزءا من معادلات الصراع الكبرى دون أن تمتلك بالضرورة القدرة على التحكم بمسارات هذا الصراع، وبذلك يتحول الوجود العسكري الخارجي من كونه مظلة حماية مفترضة إلى عامل يضاعف من المخاطر الأمنية التي تواجهها دول المنطقة.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن المنطقة العربية تقف اليوم أمام تحد استراتيجي جديد يفرض علينا إعادة التفكير؛ فالتجارب المتراكمة خلال العقود الماضية تشير إلى أن الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية لم يعد كافيا لضمان استقرار الدول العربية أو حماية أمنها القومي.

الجيل الجديد أكثر قدرة على قراءة التحديات

وفي خضم هذه التحولات، يبرز جيل عربي جديد من الشباب الذي يتمتع بدرجة أعلى من الوعي السياسي مقارنة بالأجيال السابقة، هذا الجيل، الذي نشأ في ظل تحولات كبرى شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، بات أكثر قدرة على قراءة التحديات التي تواجه العالم العربي في سياقها التاريخي الأوسع، وهو يدرك أن التحدي التاريخي المتمثل بالمشروع الصهيوني في قلب الجغرافيا العربية -والذي بدأ قبل قرن من الزمن- لم يتراجع، بل أخذ يتعاظم تدريجيا ليصبح مهددا مباشرا لأمن الدول العربية كافة.

ولعل إحدى أبرز سمات هذا الوعي الجديد أنه لم يعد يراهن بصورة مطلقة على الحليف الخارجي بوصفه ضامنا للأمن والاستقرار، بل بات يدرك أن بناء منظومات أمنية ودفاعية عربية مستقلة يمثل شرطا أساسيا لحماية الدول الوطنية في المنطقة، هذا الإدراك المتنامي الذي يدفع نحو التفكير في مسارات جديدة تقوم على الاستثمار في العلم والتكنولوجيا، وتطوير القدرات الدفاعية بعقول وأياد عربية، ضمن إطار الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، وبعيدا عن منطق الميليشيات والجماعات المسلحة خارج بنية الدولة.

وفي النهاية، إذا ما عدنا إلى فكرة توينبي عن التحدي والاستجابة، فإن ما يواجهه العالم العربي اليوم قد يكون أحد أكبر التحديات في تاريخه الحديث، غير أن التاريخ نفسه يعلمنا أن الأمم القادرة على إدراك طبيعة التحدي، وعلى تحويله إلى دافع للإبداع والعمل، هي وحدها القادرة على إنتاج استجابة تاريخية تفتح أمامها آفاقا جديدة للمستقبل، وربما يكون الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، بل في قدرة أجيالها الجديدة على صياغة الاستجابة التي تليق بها

دلالات
الأكثر قراءة
00:00:00