خبير قانوني في التكنولوجيا والأمن السيبراني والحوكمة وحماية البيانات والذكاء الاصطناعي
نظام تنظيم الإعلام الرقمي 2026: قراءة قانونية نقدية
بين ضرورة التنظيم وحدود التدخل التشريعي
بحكم تخصصي وخبرتي في مجال الحوكمة التشريعية والتشريعات الرقمية، وبمراجعة أحكام نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026، أجد أن هذا النظام يعد أحد أبرز التدخلات التشريعية الحديثة في الأردن لإعادة ضبط البيئة الإعلامية في صورتها الرقمية. ويعكس النظام تحولا واضحا في فلسفة التنظيم من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي بوصفه بيئة إنتاج وتوزيع وتفاعل مفتوحة وعابرة للحدود.
غير أن الإشكالية المركزية التي يثيرها هذا النظام لا تتعلق بمبدأ التنظيم ذاته، وإنما بحدود هذا التنظيم، ومدى اتساقه مع طبيعة البيئة الرقمية، وتوازنه مع ضمانات الحرية والمسؤولية، وهو ما يفرض إعادة تقييم دقيقة لفلسفته القانونية وأدواته التنظيمية.
الإطار العام للنظام بين الضرورة التنظيمية وإشكالية التوسع
لا شك أن التحولات الرقمية تفرض واقعا جديدا يتسم بتعاظم دور منصات التواصل الاجتماعي، وصناع المحتوى، والبث الرقمي، والذكاء الاصطناعي، بما أوجد من تحديات حقيقية تتعلق بالمحتوى المضلل، وخطاب الكراهية، والملكية الفكرية، والخصوصية.
ومن ثم فإن وجود إطار قانوني لتنظيم الإعلام الرقمي يعد ضرورة تنظيمية مشروعة. إلا أن الإشكالية لا تكمن في وجود التنظيم، بل في نطاقه وحدوده، إذ يبدو أن النظام قد اتجه نحو توسيع نطاق الإخضاع التنظيمي ليشمل طيفا واسعا من الأنشطة الرقمية دون تمييز دقيق بين النشاط الإعلامي المهني والنشاط الرقمي الفردي أو التجاري غير الإعلامي.
إذ قد يؤدي هذا الاتساع في نطاق التنظيم إلى خلق حالة من عدم اليقين القانوني، حيث يصبح من غير الواضح متى يبدأ الخضوع للنظام ومتى ينتهي. كما يرفع احتمالية إخضاع فئات غير مقصودة تنظيميا مثل المستخدمين العاديين وصناع المحتوى غير المهنيين، مما قد يمس مبدأ التناسب بين الغاية التنظيمية والأداة التشريعية، ويؤثر على حرية الاستخدام الرقمي بشكل غير مباشر.
الإشكالية المفاهيمية في تعريف الإعلام الرقمي وصانع المحتوى
تظهر أولى نقاط القصور في البناء المفاهيمي للنظام، حيث جاء تعريف الإعلام الرقمي واسعا بصورة قد تشمل كل محتوى رقمي يتم إنتاجه أو تداوله أو إتاحته عبر الإنترنت، بغض النظر عن طبيعته أو غايته أو سياقه المهني.
كما أن تعريف صانع المحتوى الرقمي امتد ليشمل أنشطة إعلامية وإعلانية وتسويقية وترويجية في آن واحد، دون وضع حدود فاصلة بين: (المحتوى الإعلامي المهني، والمحتوى الشخصي، والمحتوى التجاري الرقمي).
هذا التداخل المفاهيمي يضعف مبدأ التحديد القانوني للنصوص التشريعية، ويجعل تطبيقها مرهونا بتقدير إداري واسع. كما قد يؤدي إلى تضارب في التفسير بين الحالات المتشابهة، ويخلق بيئة تنظيمية غير مستقرة، ويزيد من مخاطر التوسع في تفسير النصوص على نحو يمس حرية التعبير الرقمي.
معيار الاحتراف
يربط النظام صفة النشاط الاحترافي بتحقيق دخل أو ممارسة النشاط بصورة مستمرة ومنتظمة، دون تحديد معايير كمية أو نوعية لهذا الدخل أو لهذه الاستمرارية.
وتترتب على هذا الغموض نتائج قانونية جوهرية، أبرزها:
-
اتساع نطاق التفسير الإداري لمفهوم الاحتراف.
-
غياب معيار موضوعي ثابت للتمييز بين النشاط المهني وغير المهني.
-
قابلية تطبيق متفاوتة للنصوص على الحالات المماثلة.
يؤدي غياب معيار محدد للاحتراف إلى المساس بمبدأ المساواة أمام القانون، إذ قد تخضع حالات متشابهة لتفسيرات مختلفة تبعا للاجتهاد الإداري. كما يضعف مبدأ الأمن القانوني، ويخلق حالة من عدم القدرة على التنبؤ القانوني لدى الأفراد والمؤسسات العاملة في البيئة الرقمية.
غياب التمييز الوظيفي بين الترخيص والاعتماد
يعد التمييز بين الترخيص والاعتماد من أكثر الجوانب إشكالية في النظام، إذ لم يقدم النظام معيارا قانونيا واضحا للفصل بين المفهومين من حيث الطبيعة أو الأثر أو الوظيفة.
فعلى الرغم من استخدام مصطلحين مختلفين، فإن الالتزامات المترتبة على المرخص له والحاصل على الاعتماد تتقارب بشكل كبير من حيث:
-
القيود التنظيمية.
-
المتطلبات الإدارية.
-
الرقابة على المحتوى.
-
إمكانية الإلغاء.
قد يؤدي هذا التداخل إلى إفراغ مفهوم الاعتماد من مضمونه القانوني المستقل، وتحويله فعليا إلى صورة موازية للترخيص دون تمييز جوهري. كما يخلق ازدواجية تنظيمية غير مبررة، ويزيد من التعقيد الإداري، ويضعف وضوح المركز القانوني للأشخاص الخاضعين للنظام.
الصلاحيات الإدارية ومخاطر التفسير الفضفاض
يتسم النظام بمنح هيئة الإعلام صلاحيات تنظيمية ورقابية واسعة تشمل:
-
منح التراخيص والاعتمادات.
-
متابعة المحتوى الرقمي.
-
إنشاء السجلات.
-
طلب الوثائق والمعلومات.
-
إلغاء الاعتماد أو تقييده.
وفي المقابل، يعتمد النظام على مصطلحات فضفاضة مثل قيم المجتمع والسياسة العامة للإعلام والمحتوى المضلل، دون تقديم تعريفات قانونية دقيقة لها.
هذا التوسع في الصلاحيات المقترن بعبارات غير منضبطة يرفع من مخاطر التفسير الفضفاض للنصوص، ويضعف مبدأ المشروعية المقيدة، ويؤثر على مبدأ اليقين القانوني. كما قد يؤدي إلى تفاوت في التطبيق الإداري، وإمكانية اتساع نطاق التدخل في المحتوى الرقمي بصورة غير متوقعة.
تعارض بعض أحكام النظام مع الحقوق والحريات الدستورية
يثير النظام إشكالية دستورية محتملة تتمثل في مدى اتساق بعض أحكامه مع الحقوق والحريات التي كفلها الدستور الأردني، وخاصة حرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام، في ظل اتساع نطاق الترخيص والاعتماد وإمكانية تقييد الوصول إلى النشاط الإعلامي الرقمي.
فالتوسع في إخضاع الأنشطة الرقمية للترخيص المسبق، وغياب تعريفات دقيقة للمحتوى المحظور، قد يخلق مساحة محتملة لتقييد حرية التعبير بشكل غير متناسب مع الغاية التنظيمية. كما أن منح الإدارة صلاحيات واسعة في الإلغاء والمنع دون تحديد معايير دقيقة قد يمس مبدأ التناسب والضرورة في تقييد الحقوق.
إذ قد يؤدي ذلك إلى نشوء شبهة تعارض بين بعض أحكام النظام ومبادئ دستورية مستقرة، أهمها:
-
مبدأ حرية الرأي والتعبير.
-
مبدأ حرية الإعلام والنشر.
-
مبدأ التناسب في تقييد الحقوق.
-
مبدأ اليقين القانوني.
كما أن غياب الضمانات الإجرائية الكافية مثل التسبيب الدقيق والرقابة القضائية الفعالة والتظلم الإداري الواضح، قد يعزز من هذه الإشكالية ويجعل بعض القيود عرضة للطعن من حيث الدستورية أو المشروعية.
الإطار التنظيمي غير المكتمل للذكاء الاصطناعي
يمثل إدخال تنظيم الذكاء الاصطناعي في النظام خطوة تشريعية متقدمة، خصوصا فيما يتعلق بالإفصاح عن استخدامه وربطه بالخصوصية والأمن السيبراني.
إلا أن الإطار التنظيمي لا يزال عاما، ولا يعالج بصورة تفصيلية مسائل جوهرية مثل:
-
المحتوى الاصطناعي الكامل والتزييف العميق.
-
المسؤولية القانونية عن المحتوى المولد آليا.
-
حماية البيانات المستخدمة في تدريب النماذج.
-
حقوق الملكية الفكرية للمخرجات الرقمية.
قد يؤدي غياب التفصيل التنظيمي في هذا المجال إلى فجوة تشريعية خطيرة، خاصة مع سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما قد يضعف قدرة النظام على التعامل مع النزاعات المستقبلية المتعلقة بالمحتوى الاصطناعي، ويؤدي إلى صعوبة تحديد المسؤولية القانونية بدقة.
ضرورة إعادة صياغة فلسفة التنظيم الرقمي
تتجه النماذج التشريعية الحديثة إلى الانتقال من تنظيم النشاط الإعلامي ذاته إلى تنظيم المحتوى الضار وآليات الانتشار، مع تعزيز الشفافية وحماية البيانات وتنظيم المنصات الرقمية الكبرى بدلا من التركيز على الترخيص المسبق للأفراد.
في المقابل، يبدو النظام أقرب إلى نقل النموذج التقليدي في التنظيم الإعلامي إلى البيئة الرقمية، رغم اختلافها الجوهري من حيث:
-
الطبيعة اللامركزية.
-
الطابع الفردي للإنتاج.
-
السرعة العالية في الانتشار.
-
الطبيعة العابرة للحدود.
هذا التوجه قد يؤدي إلى عدم مواءمة النظام مع طبيعة الاقتصاد الرقمي الحديث، ويضعف القدرة على دعم الابتكار الرقمي، ويزيد من كلفة الامتثال التنظيمي، مما قد ينعكس سلبا على بيئة الاستثمار الرقمي وحرية التعبير في الفضاء الإلكتروني.
الحاجة إلى التنظيم وحدود التدخل التشريعي
لا شك أن الأردن بحاجة إلى إطار قانوني حديث ينظم الإعلام الرقمي، ويواكب التحولات التقنية المتسارعة، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع نظام تقليدي، بل في صياغة تنظيم متوازن يحقق الحماية دون أن يفرض قيودا مفرطة على الابتكار أو حرية التعبير أو الاقتصاد الرقمي.
ومن هذا المنظور، فإن الإشكالية الجوهرية التي يطرحها النظام ليست في مبدأ وجوده، بل في مدى قدرته على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع، وضمان حرية الفضاء الرقمي، ودعم الاقتصاد الرقمي، دون توسيع غير منضبط في نطاق الإخضاع التنظيمي.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المطلوب ليس فقط نظام لتنظيم الإعلام الرقمي، بل العمل على إطار تشريعي رقمي متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفضاء الرقمي على أسس أكثر دقة ومرونة وتوازنا.
الاستفادة من التجربة السعودية وإعادة ضبط فلسفة التنظيم
تبرز أهمية الاستفادة من التجربة السعودية في تنظيم المجال الرقمي، لا سيما من خلال النموذج القائم على التمييز بين النشاط الإعلامي والنشاط الإعلاني الرقمي، واعتماد أدوات تنظيمية مرنة مثل التسجيل والتوثيق بدلا من التوسع في منطق الترخيص الشامل.
فالتجربة السعودية، عبر منصات مثل موثوق تحت إشراف الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، اتجهت إلى معالجة الإشكاليات الرقمية الأكثر حساسية مثل الإعلان الممول، والإعلانات المضللة، وشفافية المؤثرين، دون إخضاع الفضاء الرقمي برمته لنظام ترخيص إعلامي واسع، وهو ما أسهم في تحقيق توازن أوضح بين تنظيم السوق الرقمي وحماية حرية النشر والتعبير.
وعليه، يمكن القول إن من الملائم أن يعيد الأردن النظر في بعض توجهات نظام تنظيم الإعلام الرقمي، من خلال دراسة هذا النموذج المقارن، بما يتيح ما يلي:
-
تضييق نطاق الخضوع التنظيمي ليقتصر على النشاط الإعلامي المهني الفعلي.
-
فصل تنظيم الإعلانات الرقمية عن تنظيم الإعلام كقطاع.
-
اعتماد جزء من منطق التسجيل والشفافية بدلا من منطق الترخيص.
-
تقليل التداخل بين الاعتماد والترخيص بما يحد من التضارب التشريعي.
إن الاستفادة من هذه التجربة لا تعني بالضرورة استنساخها بالكامل، بل يمكن توظيفها كمرجعية معيارية لإعادة ضبط التوازن التشريعي، بما يضمن معالجة العيوب والقصور في النظام الحالي، ويحقق تنظيما أكثر دقة ومرونة وانسجاما مع طبيعة الاقتصاد الرقمي الحديث. وهو ما قد يحقق للدولة عوائد ناتجة عن التسجيل والابتعاد عن العقبات والاشكاليات التي أشرنا إليها في هذا المقال.
اقرأ المزيد.. نظام جديد لتنظيم المحتوى الرقمي