الدكتور عبد الله فرج الله كاتب وباحث
في تشريح بنية العقل العربي: عباءات شتى.. ونسيج واحد!
المتأمل في المشهد الفكري والسياسي في عالمنا العربي يقف أمام مفارقة عجيبة؛ فالمسرح يغصّ بالممثلين، والأزياء تختلف وتتنوع بين ألوان فاقعة وأخرى قاتمة، واللافتات المرفوعة تحمل شعارات متناقضة حد الصدام.
فهنا يقف "الإسلامي" بمحرابه، وهناك "العلماني" بمنبره، وبينهما "القومي" و"الوطني" وحتى "الملحد".
للوهلة الأولى، تظن أنك أمام غابة غنية بالتنوع الفكري، ولكن بمجرد أن تحتك هذه العقول ببعضها، أو توضع على محك الاختلاف، تتساقط العباءات، ليظهر جسد واحد، وعقل جمعي واحد، يفكر بالطريقة ذاتها، وينفعل بالوتيرة نفسها، ويقصي الآخر بالأدوات عينها.
لقد غير العقل العربي قناعاته، وبدل كتبه ومصطلحاته، لكنه نسي أن يغير "طريقة تفكيره". وفيما يلي تفصيل وتحليل لهذه الظاهرة، مع استعراض لأبرز الصفات التي يشترك فيها حملة هذا العقل، مهما اختلفت يافطاتهم:
أولا: متلازمة التعصب وصناعة الأصنام
لا يتعامل العقل العربي مع الفكرة على أنها قابلة للصواب والخطأ، بل يحيلها فور اعتناقها إلى "صنم" مقدس لا يجوز المساس به.
في الواقع: تجد "الليبرالي" الذي يتغنى بالحرية، يمارس أبشع أنواع الديكتاتورية الفكرية ضد من يخالفه، وتجد "القومي" يخوّن كل من لا يرى رأيه، تماما كما يفعل "الديني" حين يكفّر معارضيه. لقد تغير اسم الصنم من الطائفة إلى الحزب ومن القبيلة إلى الأيديولوجيا، لكن طقوس العبادة العمياء والولاء المطلق بقيت كما هي.
ثانيا: الإقصاء المتبادل ورفض الآخر
العقل العربي مبرمج على معادلة "صفرية"؛ إما أن تكون معي كليا، أو أنت ضدي كليا. مساحة "المنتصف" أو "الاختلاف المحمود" تكاد تكون معدومة.
في الواقع: الآخر ليس شريكا في الوطن أو الإنسانية أو الدين أو البحث عن الحقيقة، بل هو "خصم" يجب سحقه أو نفيه. خيمة العقل العربي لا تتسع لاثنين، فكل تيار يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن وجود الآخر هو انتقاص من هذه الحقيقة وتهديد لها.
ثالثا: عقدة النقد والتحسس المفرط (محاكم التفتيش المعاصرة)
يعاني هذا العقل من تضخم في "الأنا"، مما يجعله عاجزا عن الفصل بين "ذاته" وبين "أفكاره".
في الواقع: أي نقد يوجه للفكرة، يعد طعنة شخصية في كرامة صاحبها. لا توجد ثقافة "المراجعة" أو" النقد الذاتي". وإذا قام أحدهم بتوجيه نقد موضوعي، تنصب له محاكم التفتيش، فيُتهم في نواياه، وتُنبش سريرته، ويُشتم في شخصه؛ لأن العقل هنا يفتقر إلى أدوات الرد المعرفي، فيستعيض عنها بالهجوم الشخصي.
رابعا: الغرور، والانتفاش، وتزكية الذات
يميل العقل العربي إلى النرجسية الثقافية، فهو يرى نفسه دائما في موقع الأستاذية والتفوق، سواء كان يتكئ على أمجاد ماض تليد، أو على استيراد أفكار غربية حديثة.
في الواقع: هذا الانتفاش يجعله يتعالى على الواقع، يكثر من التنظير ويقل من العمل. هو عقل "خطابي" بامتياز، يعشق سماع صدى صوته، ويبالغ في مدح ذاته وتزكية فكره، معتقدا أنه الفرقة الناجية، أو النخبة المستنيرة، أو الطليعة الثورية، بينما يقبع البقية في ظلام الجهل.
خامسا: غلبة العاطفة على المنطق (العقل الانفعالي)
العقل العربي سريع الاشتعال، تحركه الكلمة الرنانة والقصيدة الحماسية أكثر مما تحركه لغة الأرقام والإحصاءات. في أوقات الأزمات، يغيب التحليل الهادئ والمنطق البارد، ليحل محله الصراخ، واللطم، أو التخوين والتهليل. العاطفة هي المحرك الأساسي حتى لدى أولئك الذين يدّعون تبني المناهج العقلانية الصارمة.
سادسا: عقلية المؤامرة (إسقاط الفشل على الخارج)
لكي يحافظ هذا العقل على صورته المنتفخة والمنزهة عن النقد، فإنه يحتاج دائما إلى "شماعة" يعلق عليها إخفاقاته. لذلك، يبرع في نسج نظريات المؤامرة. القومي يتهم الإمبريالية، والإسلامي يتهم أعداء الدين، والعلماني يتهم قوى التخلف الرجعية. الجميع يتفقون على شيء واحد: "نحن رائعون، ولكن هناك من يتآمر علينا ليمنعنا من النجاح".
سابعا: شخصنة الأمور (غياب الموضوعية)
في الحوارات، لا يتم التركيز على "ماذا قيل؟"، بل على "من قال؟". إذا جاءت الفكرة الصحيحة من الخصم الأيديولوجي، تُرفض وتُشيطن. وإذا جاءت الحماقة من الصديق وابن الحزب، تُبرر وتُؤوّل. ميزان الحق والباطل ليس موضوعيا، بل مرتبط بهوية المتحدث.
ثامنا: الاستبداد المبطن (القبيلة المستترة)
رغم أن الكثيرين يرتدون أزياء الحداثة والديمقراطية، فإن بنية العقل من الداخل لا تزال "عشائرية"؛ المثقف الماركسي قد يدير حزبه وكأنه شيخ قبيلة لا يُرد له أمر، والناشط الحقوقي قد يتعامل مع أتباعه كأتباع طريقة صوفية لا يُسمح لهم بمخالفة "الشيخ". وكذلك المسؤول الإسلامي على أنه صاحب السلطة المطلقة، له حق الوالد في الاحترام، والمربي في التوجيه، والقائد في السمع والطاعة، وهكذا، إنها سلطة الأب، والشيخ، والزعيم، التي أعيد إنتاجها بقوالب حديثة.
خلاصة القول:
إن تغيير العباءة لا يغير من حقيقة الجسد الذي يرتديها. لقد استوردنا الأفكار، أو ورثناها، لكننا وضعناها جميعا في "قالب صب" واحد؛ قالب صنعه الإرث التاريخي، والبيئة القاسية، والتراكمات الثقافية، التي تقدس النقل على حساب العقل، والطاعة على حساب التمرد المعرفي.
لا أمل في نهضة حقيقية بمجرد استبدال أيديولوجيا بأخرى، فالمشكلة ليست في "المادة الخام" للأفكار، بل في "المصنع" الذي يعالجها: وهو العقل العربي نفسه. والخطوة الأولى نحو التحرر هي الاعتراف بهذا التشابه القاسي، والبدء بتفكيك هذه البنية العصبية، والانتقال من عقلية "القبيلة والقطيع" إلى عقلية "الإنسان الحر" القادر على الشك، والمساءلة، وقبول الآخر كشريك حقيقي في رحلة الحياة.