عضو في مجلس النواب العشرين
منتدى دافوس يكشف من يدير العالم
من الطريف أن اسم دونالد ترامب نفسه يحمل معنى يوازي السلوك؛ ففي الألمانية تعني "Trumpe" الطبل، وفي الإنجليزية تعني البوق، ثم تطور المصطلح ليأخذ معنى الخداع والاختلاق "trumped up". وكأن الاسم يلخص الأسلوب: ضجيج، إعلان، ثم صفقة.
كلمة ترامب في دافوس استعراض قوة وليس خطاب رئيس
لم تكن كلمة الرئيس الأمريكي في منتدى دافوس الاقتصادي عابرة أو بروتوكولية. نحو 90 دقيقة من الخطاب، افتتحها بسخرية لاذعة وتصريحات مثيرة للجدل، في مشهد بدا أقرب إلى استعراض قوة منه إلى خطاب رئيس دولة في محفل دولي. عاد ترامب إلى دافوس ليؤكد ما لم يُخفه يوما:
العالم لا يدار بالقيم، بل بالمصالح. ومن يظن غير ذلك، فهو واهم وخارج اللعبة.
في خطابه، بدا ترامب تاجر صفقات كبرى أكثر منه رجل دولة؛ ينظر إلى الخريطة لا كمساحة نزاعات وشعوب، بل كلوحة توزيع: قطعة هنا، وحصة هناك، والباقي تفاصيل قابلة للتفاوض.
سلام مؤقت يدار بالمصلحة لا نهاية حقيقية للصراع
حين طرحت فكرة "مجلس السلام"، لم تقدم كمظلة قانونية أو مسار دولي جامع، بل كأداة ضغط: هدوء مقابل تنازل، اعتراف مقابل ممر، ودعم مقابل مكسب.
وفي هذا السياق، تناول ترامب الشرق الأوسط بلغة الإنذار لا الدبلوماسية. تحدث عن حركة حماس، مدعيا موافقتها على التخلي عن سلاحها، ومحذرا من عواقب عدم الالتزام.
وأشار إلى "مشكلة قائمة" مع حزب الله في لبنان، فيما اعتبر أن إيران لم تعد "متنمر الشرق الأوسط"، في توصيف يعكس إعادة ترتيب للأدوار لا معالجة لجذور الأزمات.
العالم كقطع شطرنج
-
فنزويلا تُختزل في نفطها، ثم يُضغط عليها حتى تنضج الصفقة.
-
غرينلاند تقدم كعقار غني بالمعادن، قابل للأخذ باسم الأمن.
-
غزة تُختصر في ملف ترتيبات وحدود مؤقتة، لا في مأساة إنسانية.
-
قناة بنما شريان تجارة يجب أن يبقى تحت اليد الأقوى.
هذه ليست زلات لسان، بل رؤية حكم مبنية على مصالح مجردة، تدار بالقوة والتهديد.
ولم تأت فكرة "مجلس السلام" من فراغ؛ فقد طرحت بعد رفض ترشيح ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام، في محاولة لخلق إطار بديل يعيد تعريف السلام وفق ميزان القوة والمال، لا وفق المعايير الأخلاقية الدولية.
الأكثر إثارة للقلق أن "مجلس السلام" نفسه يتم تداوله كفكرة مقاعد مدفوعة، مع أحاديث عن أرقام فلكية قد تصل إلى مليار دولار للمقعد الواحد. هنا يسعر السلام، وتقاس الشرعية الدولية بالفاتورة والقدرة على السداد.
التعرفة الجمركية.. العصا الاقتصادية
أخطر ما في الخطاب ليس ما قيل، بل ما لوح به. ورفع التعرفة الجمركية بات أداة عقاب سياسي، وتحولت التجارة إلى وسيلة إخضاع، حتى للحلفاء.
كندا، بحسب ترامب "تعيش بفضل الولايات المتحدة"، في خطاب تقليلي فج، وفرنسا لم تسلم من السخرية، إذ تهكم على الرئيس إيمانويل ماكرون بسبب ارتدائه نظارات شمسية، وسط ضحكات الحضور.
أما أوروبا عموما، فكانت هدفا متكررا للهجوم بسبب سياساتها في الهجرة والتجارة والطاقة. الحلفاء هنا لا يعاملون كشركاء، بل كزبائن بعقود قابلة للفسخ.
نكتة قالت الحقيقة
حين لعب إيلون ماسك على الالتباس بين Peace وPiece، ضحك الحضور. وهذا الضحك اعتراف بأن المعروض ليس سلاما شاملا، بل تجزئة محسوبة للمصالح، بلا أي معيار إنساني.
وماذا عن العرب؟ في سياسة "القطعة"، لا مناطق آمنة دائمة: النفط، الممرات، الاستقرار، المواقع، المواقف.. كلها على الطاولة. الفارق ليس في طبيعة الطلب، بل في قدرة التفاوض وحدود الرفض.
غير أن هذه الرقعة لا تشمل الجميع؛ فـ"إسرائيل" تبقى الفتى المدلل، خارج منطق القطع والتفاوض، محصنة بالقوة الأمريكية التي تقف فوق الحسابات كلها.
أما من يجرؤ على الدوس على بساط هذه القوة، فلا يعاد تموضعه داخل الرقعة، بل يخرج من لعبة الشطرنج كاملة.
ما جرى في دافوس ليس خطابا عابرا، بل علامة على عالم تدار فيه السياسة بالتهديد والفاتورة والمال، ويقاس فيه السلام بالحصة، وتغدو الأسماء -أحيانا- مرآة لأصحابها.