سبرينيتشا في ضمير الأردن: حين يُمجد المجرم وتُدفن الذاكرة

الصورة
مقابر ضحايا مذبحة سربرنيتشا
مقابر ضحايا مذبحة سربرنيتشا
آخر تحديث

عندما شاهدت جموع الصرب في بلغراد وهي تزف المجرم راتكو ملاديتش إلى مثواه الأخير، تحت رعاية كنسية ورسمية، وكأنها تودع بطلا قوميا، لم أشعر بالغضب فقط، بل بالدهشة من جرأة النسيان التي تمارسها الإنسانية.

ملاديتش من مجرم حرب إلى بطل في ذاكرة الصرب

كيف لمجرم حكمت عليه محكمة دولية بارتكاب أبشع جريمة إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، أن يتحول في عيون قومه إلى أيقونة يُحتفى بها؟ وكيف لذكرى أكثر من ثمانية آلاف شهيد قتلوا في صورة بشعه على يد الإجرام العسكري الذي حفر صورته البشعة في ذاكرة القاصي والداني في سبرينيتشا أن تُطمس بهذا المشهد المهيب؟

سبرينيتشا.. جريمة لا تمحوها الاحتفالات

لكن الجرح الذي لا يندمل، ليس في البوسنة فقط. إنه ينزف هنا، في الأردن، في قلوب الشركس الذين حملوا تاريخا من النكبات والتهجير، وعرفوا معنى أن تُجرد من أرضك وكرامتك باسم القومية. بالنسبة لهم، لم تكن سيربنتشا مجرد خبر عابر في النشرة الإخبارية، بل كانت مرآة لمأساتهم الخاصة، ودليلا على أن العالم لا يزال يتعامل بازدواجية صارخة مع الدماء. حين تغني النسوة الشركسيات أغانيهن الحزينة عن القفقاس، وحين يردّد الرجال قصص التهجير، فإنهم يذكرون المجازر، ليس كحدث منفصل، بل كحلقة في سلسلة طويلة من الإبادات التي صمت عنها الضمير الدولي.

الشركس الأردنيون.. ذاكرة ترى في سبرينيتشا مرآة لمأساتها

أما في المشهد الأردني العربي المسلم، فإن المأساة تأخذ بُعدا آخر. إنها جريمة بحق المسلمين، ارتُكبت في قلب أوروبا، وشاهدها العالم أجمع، لكنها لم تُمنع، واليوم يُكرّم فاعلها. أين صوت الأردن الرسمي؟ أين موقف الجامعة العربية؟ أين النخب الإسلامية؟ هل يكفي أن نندد ببيانات خجولة بينما تُقام الجنازات الفخمة للمجرمين؟ أم أننا أمام إفلاس أخلاقي عربي وإسلامي في التعامل مع جرائم الإبادة التي لا تستهدفنا مباشرة؟

من البوسنة إلى الأردن.. أين الموقف العربي والإسلامي؟

لا يمكن للعالم أن ينسى مجازر ذاك المجرم وأعوانه وأتباعه، ولن ينسى الشركس الأردنيون، ولن ينسى المسلمون العرب.

الذاكرة ليست مجرد حنين، بل مسؤولية. من حق الضحايا أن يحيا صوتهم فينا، ومن واجبنا أن نروي قصتهم للأجيال، ليس لتعيش على الألم، بل لتعرف أن العالم لا يزال مكانا تحتاج فيه الكرامة إلى حرّاس.

لذلك، أيها الأردنيون، أيها الشركس، أيها العرب والمسلمون، لا تتركوا الذاكرة للنسيان. اكتبوا، تحدثوا، وثقوا، ذكّروا. كل منشور، كل كلمة في مسجد، كل مقال، كل وقفة تذكارية، هي قبضة تراب تُلقى على قبر المجرمين. سبرينيتشا لن تموت ما دمنا نحيا، وملاديتش لن يكون بطلا أبدا، بل سيبقى وصمة عار في جبين الإنسانية التي تهادن الإجرام باسم السياسة.

دلالات
الأكثر قراءة
00:00:00