الأغوار الجنوبية.. كيف أصبحت "سلة غذاء الأردن" في قلب معادلة الأمن القومي؟

الصورة
مزرعة في غور الصافي | حبر
مزرعة في غور الصافي | حبر
آخر تحديث

لم تعد الأغوار الجنوبية تُقرأ باعتبارها منطقة زراعية تنتج الخضروات والفواكه فحسب، ولا بوصفها موقعا يحتضن أحد أهم المشاريع التعدينية في المملكة، بل أصبحت تمثل إحدى أكثر المناطق حساسية في معادلة الأمن القومي الأردني، حيث تتشابك اعتبارات الأمن الغذائي مع الأمن الاقتصادي والأمن المائي والأمن الحدودي ضمن مساحة جغرافية واحدة.

ففي هذه المنطقة الواقعة في أخفض بقعة مأهولة على سطح الأرض، تتجاور الأراضي الزراعية الخصبة مع منشآت التعدين الاستراتيجية، فيما تمتد بمحاذاتها الحدود الغربية للمملكة، لتتحول الأغوار الجنوبية إلى نقطة التقاء بين ثلاثة ملفات وطنية كبرى: 

  1. الحفاظ على قدرة الأردن على إنتاج غذائه.

  2. دعم الاقتصاد الوطني من خلال الصناعات التعدينية.

  3. تعزيز الاستقرار الأمني في منطقة حدودية شديدة الحساسية.

ومع تسارع مشاريع البنية التحتية، وفي مقدمتها مشروع سكة الحديد الهادف إلى تطوير منظومة النقل وربط مناطق الإنتاج بالموانئ، برزت تساؤلات واسعة حول الكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق التنمية دون الإضرار بالرقعة الزراعية التي تشكل العمود الفقري للإنتاج الغذائي، خاصة بعد صدور قرارات استملاك شملت آلاف الدونمات الزراعية في غور الصافي وغور فيفا، وما رافقها من مطالبات بإعادة النظر في حدود الاستملاك بعد تعديل مسار المشروع.

وتتجاوز هذه القضية كونها خلافا على ملكيات أو تعويضات؛ إذ تفتح الباب أمام نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الأغوار الجنوبية نفسها: هل تبقى حوضا زراعيا استراتيجيا يؤمن الغذاء ويعزز الاستقرار السكاني على الحدود، أم تتحول تدريجيا إلى منطقة يغلب عليها الطابع الصناعي واللوجستي؟ وهل يمكن للدولة أن تحقق المعادلة الصعبة التي تجمع بين التنمية الاقتصادية وحماية الأرض الزراعية في آن واحد؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، وفي مقدمتها شح المياه، وتراجع المساحات المزروعة، وارتفاع كلف الإنتاج، الأمر الذي يجعل أي تغيير في استخدامات الأراضي داخل الأغوار الجنوبية قضية تتجاوز البعد المحلي لتلامس مباشرة ملفات الأمن الغذائي والسيادة الوطنية.

ومن هنا، فإن قراءة واقع الأغوار الجنوبية لا يمكن أن تقتصر على مشروع سكة الحديد أو على قضية استملاك الأراضي وحدها، بل يجب أن تنطلق من فهم القيمة الاستراتيجية الشاملة للمنطقة، بوصفها أحد أهم الأقاليم التي ترتكز عليها منظومة الأمن الوطني الأردني بأبعادها الزراعية والاقتصادية والأمنية.

جغرافية الأغوار الجنوبية صنعت القيمة الاستراتيجية للمكان

لم يكن الموقع الذي تحتله الأغوار الجنوبية على الخريطة الأردنية عاملا جغرافيا عاديا، بل شكّل على مدى عقود أساسا لمكانتها الاقتصادية والأمنية. فالمنطقة تقع في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة، وتشكل الامتداد الغربي لمحافظة الكرك بمحاذاة الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، الأمر الذي منحها أهمية مزدوجة؛ فهي من جهة بوابة حدودية حساسة، ومن جهة أخرى واحدة من أكثر البيئات الزراعية إنتاجية في الأردن.

وتبلغ المساحة الإجمالية للواء الأغوار الجنوبية نحو 465 كيلومترا مربعا، وينقسم إداريا إلى وحدتين رئيسيتين، هما مركز غور الصافي وقضاء غور المزرعة، اللذان يشكلان معا الامتداد الزراعي الرئيس في المنطقة.

ويضم مركز غور الصافي عددا من التجمعات السكانية والزراعية المهمة، وتمتد على مساحة تقارب 350 كيلومترا مربعا، وتعد القلب الزراعي والإداري للواء من بينها :

  • غور الصافي.

  • غور فيفا.

  • المعمورة.

  • النميرة.

  • السلماني.

  • الغويبة.

  • خنزيرة.

أما قضاء غور المزرعة، والذي يعتمد بصورة رئيسية على الزراعة كمصدر للدخل والاستقرار السكاني، فيمتد من جسر الموجب شمالا وحتى غور نميرة جنوبا، وتبلغ مساحته نحو 421 كيلومترا مربعا، ويضم قرى: 

  • غور المزرعة.

  • غور الحديثة.

  • غور الذراع.

  • غور عسال.

  • البليدة.

  • غور الحناوة. 

ولا تقتصر أهمية الأغوار الجنوبية على اتساع مساحتها أو موقعها الحدودي، بل ترتبط أيضا بخصوصيتها الطبيعية الفريدة، إذ تقع على انخفاض يقارب 400 متر تحت مستوى سطح البحر، ما يمنحها مناخا دافئا خلال فصل الشتاء، في وقت تنخفض فيه درجات الحرارة في معظم مناطق المملكة.

هذا المناخ الاستثنائي، إلى جانب التربة الغرينية الغنية بالعناصر الغذائية، مكّن المزارعين من إنتاج المحاصيل في توقيت مبكر مقارنة ببقية المناطق، وهو ما منح الأغوار الجنوبية ميزة تنافسية جعلتها تتفوق على كثير من مناطق حوض البحر المتوسط في إنتاج الخضروات الشتوية، ورسخ مكانتها بوصفها "سلة غذاء الأردن".

كما أن هذا الموقع الاستثنائي لم يخدم الزراعة فقط، بل أسهم أيضا في جذب الاستثمارات الصناعية، ولا سيما الصناعات التعدينية المرتبطة بالبحر الميت، وهو ما جعل المنطقة تتحول تدريجيا إلى مساحة تتقاطع فيها مصالح الزراعة والصناعة والنقل، لتنشأ مع مرور الوقت معادلة معقدة تتطلب إدارة دقيقة لضمان استمرار كل قطاع دون أن يكون ذلك على حساب الآخر.

ومع اتساع المشاريع الاستراتيجية التي تستهدف المنطقة، لم يعد السؤال يدور حول أهمية الأغوار الجنوبية، فهذه الأهمية أصبحت حقيقة راسخة، وإنما حول كيفية الحفاظ على هذه القيمة الاستراتيجية، ومنع تآكل عناصر قوتها الزراعية والاقتصادية والأمنية في ظل الضغوط المتزايدة على الأرض والمياه.

لماذا تمثل الأغوار الجنوبية ركيزة الأمن الغذائي؟

لم يأتِ وصف الأغوار الجنوبية بـ"سلة غذاء الأردن" على سبيل المجاز، بل استند إلى واقع إنتاجي جعل المنطقة لعقود إحدى أهم القواعد الزراعية التي يعتمد عليها السوق المحلي في توفير الخضروات والفواكه خلال أشهر الشتاء والربيع المبكر، ففي الوقت الذي تتراجع فيه القدرة الإنتاجية لمعظم المناطق الزراعية بسبب انخفاض درجات الحرارة، تستمر الأغوار الجنوبية بالإنتاج بفضل طبيعتها المناخية الفريدة، لتسد فجوة موسمية تمثل عنصرا أساسياً في استقرار الأمن الغذائي للمملكة.

وتشير البيانات الزراعية إلى أن الأغوار الجنوبية تسهم بنحو 20% من إنتاج الأردن من الخضروات الشتوية، وهو ما يجعل أي تراجع في قدرتها الإنتاجية ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية، سواء من حيث حجم المعروض أو استقرار الأسعار أو الاعتماد على الاستيراد لسد النقص.

ولا تتوقف أهمية المنطقة عند حجم الإنتاج فقط، بل تمتد إلى طبيعة هذا الإنتاج، إذ تشكل الزراعات المبكرة في الأغوار مصدرا رئيسيا لتزويد الأسواق المحلية قبل دخول إنتاج المرتفعات، كما تمثل قاعدة مهمة للصادرات الزراعية الأردنية إلى الأسواق العربية، بما يعزز مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.

وتعني هذه الخصائص أن خسارة الأراضي الزراعية في الأغوار لا يمكن تعويضها بسهولة عبر التوسع في مناطق أخرى، لأن الميزة المناخية التي تتمتع بها المنطقة لا تتكرر في معظم الأراضي الزراعية داخل المملكة.

تراجع المساحات الزراعية مؤشر يدعو إلى القلق

ورغم هذه الأهمية، فإن القطاع الزراعي في الأغوار الجنوبية يواجه منذ سنوات ضغوطا متزايدة بدأت تنعكس بصورة واضحة على حجم الأراضي المزروعة.

وتظهر البيانات المتاحة أن المساحات الزراعية في الأغوار الجنوبية تراجعت بنحو 38% خلال العقد الأخير، وهو رقم يراه مختصون مؤشرا خطيرا على التحولات التي تشهدها المنطقة، سواء نتيجة الضغوط الاقتصادية أو شح المياه أو التوسع في استخدامات أخرى للأراضي.

ولا يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه خسارة زراعية فحسب، بل باعتباره مؤشرا يمس أحد أهم مرتكزات الأمن الغذائي الوطني، لأن انخفاض الرقعة المزروعة يعني بالضرورة انخفاض القدرة الإنتاجية، وارتفاع كلف الإنتاج، وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجات المملكة من بعض المحاصيل.

وفي ظل المتغيرات العالمية التي شهدتها سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الدول تتعامل مع الإنتاج الزراعي المحلي باعتباره أحد عناصر الأمن الوطني، وليس مجرد نشاط اقتصادي يمكن تعويضه بسهولة بالاستيراد.

المياه هي المعركة الأصعب

إذا كانت الأرض تمثل أساس الإنتاج الزراعي، فإن المياه تبقى التحدي الأكبر الذي يحدد مستقبل الزراعة في الأغوار الجنوبية. فالمنطقة تعيش تحت ضغط مائي متزايد، نتيجة محدودية الموارد المائية من جهة، وارتفاع الطلب عليها من جهة أخرى، سواء للاستخدامات الزراعية أو الصناعية أو المنزلية.

ويشير مختصون إلى أن القطاع الزراعي أصبح يواجه منافسة متزايدة على المياه مع الصناعات التعدينية الكبرى، التي تتطلب كميات كبيرة لتشغيل عملياتها، في وقت تتجه فيه الدولة أيضا إلى تحويل جزء من مياه بعض السدود، وفي مقدمتها سد الموجب، لتلبية احتياجات العاصمة والمناطق الحضرية.

وتضع هذه المعادلة المزارع أمام واقع أكثر صعوبة، إذ يواجه ارتفاع كلف الإنتاج، وتراجع كميات المياه المتاحة، وتغيرات مناخية متسارعة، وهو ما ينعكس على استدامة النشاط الزراعي وقدرة المزارعين على الاستمرار في استثمار أراضيهم.

عندما تصبح الأرض والمياه قضية سيادية

وتكمن خطورة المشهد في أن التحديات لا تأتي منفردة، بل تتراكم في وقت واحد؛ فتراجع الأراضي الزراعية، وشح المياه، وارتفاع الكلف، والضغوط التنموية، جميعها عوامل تؤثر في قدرة الأغوار الجنوبية على الحفاظ على دورها التاريخي كمصدر رئيس للإنتاج الزراعي.

ومن هنا، يرى مختصون أن الحفاظ على الأراضي الزراعية في الأغوار لم يعد قضية تخص المزارعين وحدهم، بل أصبح قضية سيادية ترتبط بقدرة الدولة على حماية أمنها الغذائي في مواجهة الأزمات العالمية، خصوصا أن الأردن يعد من أكثر دول العالم فقرا بالمياه، ما يجعل من كل دونم منتج وكل متر مكعب من المياه موردا استراتيجيا ينبغي التعامل معه وفق رؤية بعيدة المدى.

ويؤكد هذا الواقع أن أي مشروع تنموي جديد، مهما بلغت أهميته الاقتصادية، يجب أن يخضع لدراسة شاملة تقيس أثره على الأمن الغذائي، وأن تُبنى القرارات على أساس تحقيق التكامل بين القطاعات المختلفة، لا على حساب أحدها.

الأغوار الجنوبية خط دفاع متقدم في منظومة الأمن الوطني

قد تبدو الأغوار الجنوبية، منطقة يغلب عليها الطابع الزراعي، إلا أن موقعها الجغرافي يمنحها بعدا أمنيا لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، فالمنطقة تشكل الامتداد الغربي لمحافظة الكرك بمحاذاة الحدود مع فلسطين المحتلة، وهو ما يجعلها جزءا من منظومة الأمن الحدودي للمملكة، ويضفي على استقرارها السكاني والإنتاجي أهمية تتجاوز الاعتبارات التنموية التقليدية.

وفي المفاهيم الحديثة للأمن القومي، لا تقتصر حماية الحدود على الانتشار الأمني والعسكري، بل تعتمد أيضا على وجود مجتمعات مستقرة وقادرة على الاستمرار والإنتاج، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى المزارع في الأغوار الجنوبية بوصفه شريكا في ترسيخ الاستقرار، إذ إن استمرار النشاط الزراعي يعني بقاء السكان في أراضيهم، والحفاظ على دورة اقتصادية واجتماعية تسهم في تعزيز الوجود البشري في منطقة حدودية ذات حساسية خاصة.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر في ظل وجود منشآت اقتصادية استراتيجية داخل المنطقة، وفي مقدمتها شركة البوتاس العربية، التي تعد من أكبر الشركات الوطنية المساهمة في الاقتصاد الأردني، وتشكل صادراتها أحد المصادر المهمة للإيرادات الوطنية والعملات الأجنبية.

ولا تقتصر أهمية هذه المنشآت على دورها الاقتصادي، بل تمتد إلى بعدها الاستراتيجي، إذ تتطلب منظومة متكاملة من الحماية الأمنية وتأمين سلاسل النقل والإمداد التي تربطها بميناء العقبة، فضلا عن وجود مراكز أمنية وعسكرية منتشرة في اللواء لضمان أمن المنطقة واستقرارها.

ومن هنا، فإن الأغوار الجنوبية لا تمثل ساحة تنافس بين الزراعة والصناعة، بقدر ما تمثل نموذجا لمنطقة تتعايش فيها المصالح الوطنية الكبرى، وهو ما يجعل أي تغيير في استخدامات الأراضي أو الموارد الطبيعية بحاجة إلى موازنة دقيقة تراعي جميع هذه الاعتبارات في آن واحد.

شركة البوتاس والأغوار الجنوبية

لا يمكن قراءة واقع الأغوار الجنوبية بمعزل عن الدور الاقتصادي الذي تؤديه المنطقة، وفي مقدمة ذلك حضور الصناعات التعدينية المرتبطة بثروات البحر الميت، وعلى رأسها شركة البوتاس العربية، التي تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية الوطنية، وتشكل نموذجا للتداخل بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية.

فالشركة لا تمثل مجرد منشأة إنتاجية، بل تعد رافدا رئيسيا للاقتصاد الأردني من خلال مساهمتها في الصادرات، وتوفير فرص العمل، ودعم القطاعات المرتبطة بها، إضافة إلى دورها في رفد خزينة الدولة بعوائد اقتصادية مهمة.

وتتمركز عمليات الشركة في منطقة ذات حساسية استراتيجية، ما يجعل استمرار عملها مرتبطا بتوفير منظومة متكاملة من الحماية والأمن والبنية التحتية القادرة على تأمين حركة الإنتاج والنقل، وصولاً إلى موانئ التصدير في العقبة.

تعد شركة البوتاس العربية من أبرز الأصول السيادية والركائز الأساسية للاقتصاد الأردني، وتظهر الأرقام والبيانات المالية لعامي 2023 و2024 بوضوح حجم مساهمتها العميقة في الاستقرار النقدي والتنمية الوطنية:

المحور

أبرز الأرقام والمؤشرات

رفد النظام المالي بالعملات الأجنبية

ضخت الشركة نحو 1.54 مليار دولار أمريكي في النظام المصرفي الأردني خلال عام 2023، وواصلت دورها خلال عام 2024 بضخ حوالي 1.28 مليار دولار.

المساهمة في خزينة الدولة

رفدت الشركة خزينة المملكة من خلال رسوم التعدين والضرائب، حيث بلغت هذه الرسوم نحو 158 مليون دينار عام 2023، فيما وصلت مساهمتها للخزينة إلى حوالي 404 ملايين دينار عام 2022.

الأرباح والأداء المالي

حققت الشركة صافي أرباح بلغ 293 مليون دينار عام 2023، وحافظت على أداء مالي قوي في عام 2024 بصافي أرباح بلغ 184 مليون دينار رغم تقلبات الأسعار العالمية.

القيمة السوقية والأصول

بلغت القيمة السوقية للشركة حوالي 2.2 مليار دينار، فيما وصلت قيمة إجمالي موجوداتها إلى نحو 2 مليار دينار بنهاية عام 2023.

الاستثمار الرأسمالي

استثمرت الشركة نحو 170 مليون دينار في مشاريع رأسمالية خلال عام 2023 لتعزيز الكفاءة، ورفعت مخصصات هذه الاستثمارات إلى حوالي 190 مليون دينار لعام 2024.

الإنتاج والمكانة العالمية

تحتل الشركة المركز الثامن عالميا في إنتاج البوتاس، وسجلت إنتاجا قياسيا بلغ 2.78 مليون طن عام 2023، ارتفع إلى 2.84 مليون طن عام 2024.

الانتشار والتصدير العالمي

توسعت منتجات الشركة عالميا لتصل إلى 59 دولة عام 2024 مقارنة بـ47 دولة عام 2023.

دعم الاقتصاد المحلي والمشتريات

تخصص الشركة أكثر من 40% من ميزانية مشترياتها للموردين المحليين داخل الأردن، بقيمة تجاوزت 123 مليون دينار عام 2022.

التوظيف وفرص العمل

يبلغ عدد موظفي الشركة المباشرين نحو 1.937 موظفا، يتركز 78% منهم في منطقة غور الصافي، إضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة.

المسؤولية الاجتماعية

تنفق الشركة نحو 7 ملايين دينار سنويا على مبادرات المسؤولية الاجتماعية، بإجمالي تجاوز 70 مليون دينار خلال السنوات الست الأخيرة.

الأثر الاقتصادي العام

تمثل شركة البوتاس العربية محركا اقتصاديا استراتيجيا من خلال توفير العملات الأجنبية، ودعم خزينة الدولة، وتعزيز الصادرات، والاستثمار، وتوفير فرص العمل.

وفي المقابل، فإن هذا النشاط الصناعي الكبير يضع المنطقة أمام تحديات متعلقة بتوزيع الموارد، وفي مقدمتها المياه والأراضي، إذ تتطلب الصناعات التعدينية كميات كبيرة من المياه والطاقة والخدمات اللوجستية، وهو ما يفرض ضرورة إدارة العلاقة بين القطاع الصناعي والقطاع الزراعي بطريقة تضمن عدم طغيان أحدهما على الآخر.

فالأغوار الجنوبية ليست منطقة صناعية فقط، كما أنها ليست منطقة زراعية فقط، بل هي مساحة تتداخل فيها مصالح اقتصادية وطنية كبرى، الأمر الذي يجعل أي قرار يتعلق باستخدامات الأرض أو الموارد فيها بحاجة إلى رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأمن الغذائي والعائد الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في الوقت ذاته.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في المفاضلة بين الزراعة والصناعة، وإنما في إيجاد نموذج تنموي قادر على جعل القطاعات المختلفة تعمل ضمن منظومة تكاملية، بحيث تستفيد الدولة من ثرواتها الطبيعية دون أن تفقد إحدى أهم مناطق إنتاجها الزراعي.

سكة الحديد تفتح ملف الأرض الزراعية

يأتي مشروع سكة الحديد ضمن خطط تطوير منظومة النقل الوطنية وربط مناطق الإنتاج بالمراكز اللوجستية والموانئ، بما يعزز كفاءة نقل البضائع ويدعم النشاط الاقتصادي، إلا أن مسار المشروع في الأغوار الجنوبية فتح نقاشا واسعا حول أثره على الأراضي الزراعية، بعد شمول آلاف الدونمات بقرارات الاستملاك.

وبحسب المعطيات المتعلقة بالمشروع، فقد صدر قرار استملاك حكومي عام 2025 شمل مساحة إجمالية بلغت نحو 3499 دونما من الأراضي الزراعية في منطقتي غور الصافي وغور فيفا ضمن لواء الأغوار الجنوبية.

وتكتسب هذه الأراضي أهمية خاصة لكونها تقع في واحدة من أكثر مناطق المملكة إنتاجا، حيث تعتمد عليها أسر زراعية منذ عقود، ما جعل قضية الاستملاك تتجاوز حدود الإجراء الإداري لتتحول إلى نقاش حول مستقبل الرقعة الزراعية في المنطقة.

ملكيات زراعية وحقوق انتفاع مهددة

تشير البيانات المتعلقة بالأراضي المشمولة بالاستملاك إلى أن أكثر من 60% منها تعود ملكيتها إلى عائلات زراعية محلية، فيما تتبع بقية المساحات لسلطة وادي الأردن ويستغلها مزارعون بموجب حقوق انتفاع تاريخية.

وهذا يعني أن تأثير القرار لا يقتصر على ملاك الأراضي فقط، بل يمتد إلى شريحة واسعة من المزارعين الذين تعتمد حياتهم ودخلهم على استمرار استثمار هذه الأراضي.

ويؤكد مزارعون أن الأرض في الأغوار الجنوبية ليست مجرد ملكية عقارية، بل تمثل دورة اقتصادية متكاملة ترتبط بها أعمال الزراعة والتسويق والنقل والتجارة، وأن فقدانها يعني فقدان مصدر رزق مباشر لعائلات كثيرة تعتمد على الإنتاج الزراعي.

4 بدائل تحمي الأرض ولا تعطل التنمية

لا يكمن التحدي في الأغوار الجنوبية في الاختيار بين مشروع تنموي أو الحفاظ على النشاط الزراعي، فالمعادلة الوطنية لا تحتمل إلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتطلب حلولا قادرة على تحقيق التكامل بين البنية التحتية والصناعة والزراعة، بما يضمن استمرار المنطقة كرافد اقتصادي وغذائي وأمني في الوقت ذاته.

فمشروع سكة الحديد، بما يحمله من أهمية في تطوير منظومة النقل الوطنية، لا يمثل مشكلة بحد ذاته، وإنما تتمحور الإشكالية حول كيفية تنفيذه، والمساحات التي يحتاجها، ومدى تأثيره على الأراضي الزراعية ذات القيمة العالية.

ومن هنا، تبرز مجموعة من البدائل التي يمكن أن تشكل مخرجا يحافظ على أهداف المشروع، ويقلل في الوقت نفسه من خسائره على القطاع الزراعي:

1- إعادة تقييم الاستملاك وحصره بالاحتياجات الفعلية

يأتي في مقدمة البدائل المطروحة إعادة دراسة الأراضي المشمولة بالاستملاك، خصوصا تلك التي لم تعد تدخل ضمن المسار التنفيذي المعدل للمشروع.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن بقاء أراضٍ خارج نطاق الحاجة الفعلية للسكة تحت قرار الاستملاك يؤدي إلى تجميدها، ويحرم أصحابها من استثمارها، رغم أنها تمثل جزءا من أهم الرقع الزراعية في المملكة.

ويتمثل الحل في حصر الاستملاك ضمن الحدود الفنية اللازمة لإنشاء وتشغيل المشروع فقط، وإعادة الأراضي غير المستخدمة إلى أصحابها أو مستثمريها، بما يعيدها إلى دورة الإنتاج الزراعي.

ولا يعني هذا الخيار تعطيل المشروع، بل يحقق مبدأ أساسيا في مشاريع المنفعة العامة، وهو أن تكون مساحة التأثير متناسبة مع الحاجة الفعلية للمشروع، بحيث لا تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من الضرورة.

2- تقليص حرم السكة للحفاظ على أكبر مساحة زراعية ممكنة

من بين النقاط التي أثارت النقاش في قضية الاستملاك، اتساع بعض المناطق المشمولة لتصل في بعض المواقع إلى نحو 900 متر، وهي مساحة يرى مزارعون أنها تفوق الاحتياجات المباشرة لإنشاء خط السكة.

وبناءً على ذلك، يبرز خيار تقليص الحرم المخصص للمشروع إلى الحد الذي تفرضه المعايير الفنية والهندسية، مع الإبقاء على متطلبات السلامة والتشغيل.

ويؤدي هذا الإجراء إلى تحرير مساحات واسعة يمكن أن تعود للإنتاج الزراعي، خصوصا أن قيمة الأرض في الأغوار الجنوبية لا تقاس فقط بمساحتها، بل بقدرتها الإنتاجية العالية وبموقعها الذي يصعب تعويضه في مناطق أخرى.

3- تطوير بدائل النقل وتقليل الضغط على الأراضي الزراعية

في ظل التطور العالمي في وسائل النقل، لم تعد السكك الحديدية الخيار الوحيد لتعزيز كفاءة نقل المواد والبضائع، إذ ظهرت حلول مرنة يمكن أن تسهم في تقليل الحاجة إلى التوسع في البنية التحتية الثقيلة داخل المناطق الزراعية.

ومن بين هذه البدائل التوسع في استخدام الشاحنات الكهربائية الحديثة، وهو خيار بدأت شركات صناعية كبرى بدراسته بهدف خفض تكاليف النقل وتقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين الكفاءة التشغيلية.

ويمثل هذا الخيار فرصة لإعادة التفكير في منظومة النقل من منظور متكامل، بحيث لا تكون جميع الأعباء اللوجستية موجهة نحو الأرض الزراعية، بل يتم توزيع الحلول وفق ما يحقق أعلى منفعة اقتصادية بأقل أثر بيئي وزراعي.

4- حماية المياه شرط أساسي لبقاء الزراعة

لا يمكن معالجة مستقبل الأغوار الجنوبية من خلال ملف الأرض وحده، لأن التحدي الأكبر الذي يواجه الزراعة يبقى مرتبطا بالمياه.

ولهذا، فإن أي خطة للحفاظ على دور المنطقة الزراعي تحتاج إلى الاستثمار في تقنيات إدارة المياه ورفع كفاءة استخدامها، خصوصا في ظل محدودية الموارد المائية.

ومن بين الحلول المطروحة التوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة الموفرة للمياه، ومنها تقنية "الشرنقة" التي تهدف إلى تقليل فاقد المياه ورفع كفاءة الري، إضافة إلى تطوير برامج الحصاد المائي والاستفادة المثلى من كل مصدر مائي متاح.

كما تبرز في هذا السياق أهمية الإسراع في المشاريع الوطنية المرتبطة بمعالجة اختلالات منظومة المياه، والتخفيف من الآثار البيئية التي تؤثر على المنطقة.

نموذج تنموي يضع المزارع شريكا لا متلقيا

من أبرز الدروس التي تكشفها قضية الأغوار الجنوبية أن أي مشروع تنموي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن المجتمع المحلي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنطقة تعتمد فيها آلاف الأسر على الأرض كمصدر رئيس للدخل والاستقرار.

ولهذا، فإن إشراك المزارعين في مراحل التخطيط واتخاذ القرار يمثل عنصرا مهما لضمان تحقيق التنمية المستدامة.

ولا يتعلق الأمر فقط بحماية حقوق الملكية، بل ببناء نموذج يجعل السكان المحليين جزءا من العملية التنموية، بحيث يستفيدون من المشاريع الكبرى بدلاً من أن يشعروا بأنهم يتحملون كلفتها وحدهم.

ويمكن أن يشمل ذلك توجيه جزء من عوائد النشاط الاقتصادي في المنطقة نحو دعم القطاع الزراعي، وتطوير البنية التحتية الزراعية، وتحسين سلاسل الإنتاج والتسويق، بما يعزز قدرة المزارعين على الاستمرار.

التنمية التي تحمي مقومات الدولة

تكشف قضية الأغوار الجنوبية عن واحدة من أصعب معادلات التنمية الحديثة؛ فالدول بحاجة إلى استثمار مواردها الطبيعية وتطوير بنيتها التحتية، لكنها في الوقت نفسه بحاجة إلى حماية الأصول التي لا يمكن تعويضها بسهولة.

وفي الحالة الأردنية، تمثل الأغوار الجنوبية أحد هذه الأصول، لأنها تجمع بين عناصر متعددة في مكان واحد: أرض زراعية خصبة، موقع حدودي حساس، منشآت اقتصادية استراتيجية، ومجتمع محلي ارتبط بالأرض عبر أجيال متعاقبة.

ولهذا، فإن التعامل مع المنطقة بمنطق القطاع الواحد قد يؤدي إلى خسارة جزء من قيمتها الاستراتيجية. فالتركيز على الصناعة فقط قد يضعف الأمن الغذائي، والتركيز على الزراعة فقط قد يحرم الاقتصاد الوطني من فرص تنموية مهمة، بينما الحل يكمن في بناء نموذج يضمن استمرار الوظائف المتعددة للمنطقة.

إن حماية الأرض الزراعية لا تعني رفض التنمية، كما أن دعم المشاريع الكبرى لا يجب أن يعني التضحية بالموارد الاستراتيجية. فالهدف الحقيقي هو الوصول إلى صيغة تجعل سكة الحديد، والصناعة، والزراعة، والأمن الوطني عناصر متكاملة ضمن رؤية واحدة.

البحث عن صيغة لا تخسر فيها الأغوار أيا من أدوارها

تكشف قضية سكة الحديد في الأغوار الجنوبية عن تحد أوسع يتعلق بطريقة إدارة التنمية في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية، إذ لا يمكن النظر إلى المشروع باعتباره مشروع نقل فقط، كما لا يمكن التعامل مع الأراضي الزراعية باعتبارها مجرد مساحات قابلة للتعويض.

فالسكك الحديدية تمثل أداة مهمة لتطوير الاقتصاد الوطني وتحسين كفاءة النقل وتقليل كلفه، خصوصا بالنسبة للصناعات الكبرى، لكن الأرض الزراعية في الأغوار الجنوبية تحمل قيمة إضافية مرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والبعد الأمني.

ولهذا، فإن أي قرار نهائي يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية مفادها أن التنمية المستدامة لا تقوم على استبدال قطاع بآخر، بل على تحقيق التكامل بين القطاعات، بحيث تبقى الأغوار الجنوبية قادرة على أداء أدوارها المتعددة: منطقة إنتاج غذائي، ومركز صناعي، ومنطقة حدودية مستقرة. 

اقرأ المزيد.. خبير عسكري يحذر: استملاك أراضي الأغوار يجب أن يقرأ أمنيا واستراتيجيا

الأكثر قراءة
00:00:00