تجري انتخابات الكنيست الـ26 في كيان الاحتلال في ظل حرب مفتوحة وأزمات أمنية وسياسية متراكمة، لتكشف الحملة الانتخابية عن حقيقة تتجاوز المنافسة
انتخابات الكنيست 26: أزمات الداخل.. تصدعات تتجاوز الانتخابات
تدخل دولة الاحتلال انتخابات الكنيست المقبلة في السابع والعشرين من تشرين الأول، وسط أزمات داخلية تراكمت بفعل الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى جانب الخلافات حول التجنيد الإلزامي، وأزمة الثقة بالمؤسسات، والهجرة المتزايدة للكفاءات.
لكن قراءة هذه الأزمات انتخابيا لا تقود بالضرورة إلى استنتاج بشأن تغيير نهج الاحتلال تجاه الفلسطينيين، بقدر ما تكشف عن تنافس داخلي حول كلفة الحرب، وطريقة إدارتها، وتوزيع أعبائها، ومن يتحمل مسؤولية إخفاقاتها.
وتشير معطيات صادرة عن بنك "إسرائيل"، وجامعة تل أبيب، ومركز طاوب للدراسات الاجتماعية، إلى أن الحرب لم تعد ملفا أمنيا منفصلا عن بقية أزمات المجتمع، بل أصبحت عاملا ضاغطا على سوق العمل والاقتصاد والديموغرافيا والثقة بالمؤسسات، فيما يبقى الاحتلال والسيطرة على الأراضي الفلسطينية جزءا من البيئة الأمنية والسياسية التي تتحرك داخلها هذه الأزمات.
أزمة الهوية والانقسام الداخلي في انتخابات الكنيست
دخل المجتمع الإسرائيلي في دولة الاحتلال -في السنوات الأخيرة- مرحلة من الانقسام الحاد حول طبيعة النظام السياسي وحدود صلاحيات مؤسساته، بعدما دفعت حكومة بنيامين نتنياهو باتجاه تعديلات قضائية واسعة أثارت احتجاجات داخلية غير مسبوقة.
وتتلخص التعديلات القضائية في مجموعة تشريعات، وتستهدف بشكل أساسي:
-
إضعاف السلطة القضائية: الحد من قدرة المحكمة العليا على إلغاء قوانين الكنيست أو قرارات الحكومة عبر إلغاء "حجة عدم المعقولية".
-
زيادة سيطرة الحكومة: منح الائتلاف الحاكم السيطرة شبه الكاملة على تعيين القضاة، وتحويل المستشارين القانونيين للوزارات إلى تعيينات سياسية غير ملزمة برأيها القانوني.
تكمن أهمية هذه التعديلات في أنها قسّمت "الإسرائيليين" بين تيار علماني وليبرالي يراها تقويضا للديمقراطية وفصل السلطات، وتيار يميني وديني يعتبرها استعادة لسيادة المنتخبين وكبحا لتدخل القضاة في القرار السياسي.
ثم جاءت حرب السابع من أكتوبر لتضيف طبقة جديدة إلى هذا الانقسام، مع تصاعد الخلافات حول أداء الحكومة والجيش، والمسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، وطريقة إدارة الحرب.
وتتقاطع هذه الأزمة مع التحولات الديموغرافية والسياسية داخل المجتمع، وفي مقدمتها تنامي وزن التيارات الدينية، ولا سيما الصهيونية الدينية والحريدية، مقابل استمرار التوتر مع التيارات العلمانية والقومية.
لكن هذا الانقسام الداخلي لا ينعكس بصورة مباشرة على الموقف من الاحتلال؛ إذ إن الخلاف بين القوى الرئيسية يدور في جانب كبير منه حول شكل إدارة الدولة والأمن والحرب، أكثر مما يدور حول إنهاء السيطرة العسكرية على الأراضي الفلسطينية أو الاعتراف بحقوق الفلسطينيين السياسية.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الانتخابات المقبلة: يمكن أن يتغير شكل الخلاف داخل المجتمع من دون أن يتغير بالضرورة الإطار الذي تُدار من خلاله القضية الفلسطينية.
أزمة التجنيد: معضلة الموارد البشرية والنزيف المالي للجيش
تحولت قضية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الائتلاف الحاكم، بعدما ارتبطت مباشرة بحجم قوات الاحتياط المطلوبة لإدارة الحرب، وبالكلفة الاقتصادية والاجتماعية الطويلة للخدمة.
وفي الـ25 من حزيران 2024، أصدرت المحكمة العليا قرارا ألزم الدولة بتجنيد طلاب المعاهد الدينية الحريدية، في ظل غياب أساس قانوني ساري لإعفائهم من الخدمة، كما ربط القرار استمرار الدعم الحكومي للمعاهد الدينية بالتزام الطلاب بالخدمة أو حصولهم على إعفاءات قانونية، وجاء القرار بينما كانت الحرب تفرض ضغطا متزايدا على القوى البشرية العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى عقدة سياسية وأمنية واقتصادية، خصوصا أن الائتلاف الحكومي يعتمد على أحزاب حريدية تتمسك باستمرار وضع خاص لطلاب المعاهد الدينية.
وتكشف أرقام "بنك إسرائيل" حجم البعد الاقتصادي للأزمة:
-
38.000 شيكل تقريبا: الكلفة الاقتصادية لشهر واحد من خدمة جندي احتياط يبلغ نحو 30 عاما.
-
7.500 مجند حريدي إضافي سنويا: زيادة يقدر البنك أنها يمكن أن تؤدي، بعد اكتمال العملية، إلى إضافة نحو 20 ألف جندي خدمة إلزامية.
-
9 مليارات شيكل على الأقل سنويا: الوفر الاقتصادي المتوقع من خفض الاعتماد على قوات الاحتياط، بما يعادل نحو 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقد يصل الأثر الاقتصادي، في حال أدى التجنيد إلى زيادة كبيرة في مشاركة الرجال الحريديم في سوق العمل، إلى نحو 14 مليار شيكل سنويا.
ويرى "بنك إسرائيل" أن مشروع قانون التجنيد الذي كان قيد النقاش في نهاية 2025 لا يضع أهدافا كافية لتلبية احتياجات الجيش، ولا يتضمن حوافز أو عقوبات اقتصادية فعالة لتلبية احتياجات الجيش، مما يرفع الأزمة من مجرد خلاف ديني وسياسي تقليدي إلى سؤال بنيوي حول قدرة المؤسسة العسكرية على توفير القوى البشرية اللازمة؛ وبذلك لم تعد المعادلة مقتصرة على سؤال من يخدم ومن لا يخدم، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الجيش على الاستمرار في الاعتماد على الاحتياط، وبالكلفة التي تنتقل من المؤسسة العسكرية إلى الاقتصاد والمجتمع وسوق العمل.
ومن الزاوية الفلسطينية، تكتسب القضية بعدا إضافيا؛ لأن حجم القوة البشرية المتاحة للجيش يرتبط مباشرة بقدرته على إدارة عملياته العسكرية والأمنية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو على الجبهات الإقليمية الأخرى.
اقتصاد الحرب.. حين تتحول الأولوية الأمنية إلى عبء اجتماعي
امتدت كلفة الحرب المباشرة وغير المباشرة إلى الموازنة العامة وسوق العمل؛ إذ فرضت الأولوية الأمنية تخصيص موارد ضخمة للجيش، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطا متصاعدة لتمويل القطاعات المدنية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
ولم يعد الخلاف يقتصر على حجم الموازنة العسكرية، بل تعداه إلى سؤال سياسي أوسع حول كيفية توزيع الموارد العامة، ومن يتحمل كلفة استمرار العمليات العسكرية وخسائر الإنتاج.
وتتضح أبعاد هذا العبء في تقديرات "بنك إسرائيل" لكلفة الخدمة الاحتياطية:
-
38.000 شيكل: الكلفة الاقتصادية لشهر خدمة جندي الاحتياط الواحد.
-
%80 من هذه الكلفة: تمثل خسارة مباشرة في الناتج خلال فترة الخدمة.
-
%20 المتبقية: ترتبط بأضرار طويلة الأمد تمس الإنتاجية والخبرة التراكمية والتقدم المهني للقوى العاملة.
وتتحول الحرب بذلك من ملف أمني منفصل إلى عامل ضاغط على القطاعات المنتجة، وعلى سوق العمل والإنفاق العام، فيما يمتد جزء من هذا العبء إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث يرتبط الإنفاق العسكري والأمني أيضا بـ:
-
إدارة الاحتلال.
-
الانتشار العسكري.
-
حماية المستوطنات والاستيطان.
ما يجعل كلفة استمرار السيطرة العسكرية جزءا من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها دولة الاحتلال والمجتمع
الهجرة والكفاءات.. ضغط ديموغرافي واقتصادي
تشكل الهجرة الخارجية أحد المؤشرات اللافتة على الضغوط التي تواجه الاحتلال، وإن كانت أرقام المغادرة لا تعني جميعها هجرة دائمة.
ووفق دراسة لجامعة تل أبيب اعتمدت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، غادر "268.509 مواطنين" البلاد خلال الفترة 2023–2025 لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر متواصلة، بواقع:
-
86.509 في 2023.
-
91.499 في 2024.
-
90.922 في 2025.
وبالمقارنة، بلغ عدد المغادرين وفق المقياس نفسه 183.219 خلال الفترة المقابلة 2013–2015.
ولا تعتبر جامعة تل أبيب هذه الأرقام مساوية للهجرة الدائمة؛ فالبيانات الرسمية الخاصة بمن يبقون خارج البلاد 12 شهرا أو أكثر لعام 2025 لن تصبح متاحة قبل بداية 2027. لكن الباحثين قدروا، استنادا إلى العلاقة التاريخية بين المقياسين، أن عدد من بقوا خارج البلاد لمدة عام أو أكثر خلال 2025 قد تراوح بين 45.000 و50.000 شخص.
وتشير الدراسة كذلك إلى ارتفاع المغادرة بين فئات ذات مستويات تعليم ومهارات مرتفعة، بينها الأطباء وحاملو الدكتوراه والمهندسون وأصحاب الدخل المرتفع.
وتتزامن هذه المعطيات مع تغير ديموغرافي أوسع، فوفق مركز طاوب للدراسات السياسية الاجتماعية في تل أبيب، تراجع معدل النمو السكاني إلى 0.9% في 2025، وهو أدنى مستوى منذ قيام دولة الاحتلال، بالتزامن مع تراجع الزيادة الطبيعية وارتفاع صافي الهجرة السلبي. ويقدر المركز أن صافي الهجرة بلغ -26.000 في 2024، وأن الخسارة الصافية قد تصل إلى نحو 37.000 شخص في 2025 وفق التقديرات.
لكن المركز يلفت إلى أن التحول الديموغرافي لا يرتبط بالهجرة وحدها، بل أيضا بانخفاض معدلات الخصوبة وتغيرات الوفيات، ما يجعل الحديث عن "نزيف ديموغرافي" بحاجة إلى قراءة مركبة لا تختزل المسألة في الهجرة الخارجية وحدها.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها الاقتصادية من ارتباطها بالقطاعات عالية المهارة؛ فخروج الأطباء والباحثين والمهندسين والعاملين في التكنولوجيا لا يمثل مجرد انتقال أفراد إلى الخارج، بل يمس قاعدة المهارات التي يعتمد عليها الاقتصاد، في وقت ترتفع فيه كلفة الحرب والإنفاق الأمني.
وبالنسبة إلى دولة تعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات التكنولوجيا والعلوم والطب، فإن استمرار خروج أصحاب المهارات يطرح سؤالا حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على قاعدة بشرية قادرة على تحمل أعباء الحرب والإنفاق الأمني على المدى الطويل.
أزمة الثقة والمساءلة
لا تقتصر التصدعات الداخلية على الاقتصاد والجيش، بل تمتد إلى مستوى الثقة بالمؤسسات السياسية والأمنية، خصوصا في ظل استمرار الجدل حول مسؤولية الحكومة والمؤسسات عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
وتظهر استطلاعات الرأي التي تناولت هذه القضية تفاوتا بين مستوى الثقة بالجيش والحكومة ورئيس الوزراء، إلى جانب خلاف سياسي ومجتمعي حول طبيعة لجنة التحقيق التي ينبغي أن تتولى فحص الإخفاقات.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة:
الأول: الثقة بالمؤسسات.
الثاني: تحديد المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
الثالث: الموقف من استمرار الحرب وطريقة إدارتها.
ولا تعني هذه المستويات بعضها بعضا بالضرورة؛ فقد يطالب ناخب بلجنة تحقيق رسمية من دون أن يرفض استمرار العمليات العسكرية، كما يمكن أن تتراجع ثقته بالحكومة من دون أن يتغير موقفه من الاحتلال أو من استخدام القوة العسكرية.
وهنا تبرز نقطة مركزية في قراءة انتخابات الكنيست من الزاوية الفلسطينية:
هل ستتناول المساءلة أسباب الإخفاق العسكري والأمني المباشر فقط، أم ستتوسع لتشمل السياسات التي سبقت السابع من أكتوبر، وطريقة إدارة قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة؟
فحدود التحقيق وآلية المساءلة ليست مسألة إجرائية فحسب، بل يمكن أن تحدد أيضا حدود النقاش السياسي حول المرحلة السابقة للحرب، لكن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة تبني موقف سياسي موحد تجاه الحرب أو تجاه القضية الفلسطينية.
من أزمات المجتمع إلى معركة انتخابات الكنيست
مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست، تتجمع هذه الأزمات في لحظة واحدة: جيش يستنزفه الاعتماد على قوات الاحتياط، وأزمة مستمرة حول تجنيد الحريديم، وكلفة اقتصادية متصاعدة للحرب، وهجرة للكفاءات، وتباطؤ ديموغرافي، وأزمة ثقة تتصل بمسؤولية المؤسسات عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
لكن أهمية هذه الأزمات لا تكمن فقط في حجمها الداخلي، بل في ما تكشفه عن كلفة نموذج إدارة الحرب والاحتلال على المجتمع والدولة، فالتنافس الانتخابي ينشغل بكيفية إدارة هذه الكلفة، ومن يتحمل أعباءها، وكيف يعاد بناء المؤسسة الأمنية، وكيف تستعاد قدرة الجيش والاقتصاد على مواصلة العمل، أكثر مما ينشغل بمراجعة أصل السياسات التي أبقت الاحتلال والحرب في صلب المشهد.
ومن هنا، لا تبدو أزمات الداخل قطيعة مع نهج الاحتلال بقدر ما تكشف حدود قدرته على الاستمرار بالصيغة ذاتها؛ إذ تضع الحرب والاحتلال أعباء متزايدة على الجيش والاقتصاد وسوق العمل والمؤسسات، فيما تظل القضية الفلسطينية في معظم المنافسة الحزبية محكومة بسؤال إدارة الاحتلال والسيطرة الأمنية، لا إنهائهما.
وأيا كانت نتيجة هذه الانتخابات، ستظل دولة الاحتلال حبيسة المعادلة ذاتها: قوة عسكرية غاشمة ضاربة ومستنزفة في آن واحد، مأزومة بنيويا ومؤسسيا، ومعزولة دبلوماسيا، وعاجزة عن ترجمة تفوقها الميداني إلى استقرار سياسي وأمني طويل الأمد.
اقرأ المزيد.. صراع داخل الاحتلال على القيادة والحرب