يتجه الناخبون في دولة الاحتلال الإسرائيلي في الـ27 من تشرين الأول 2026 إلى صندوق اقتراع انتخابات الكنيست بدورتها الـ26، بعدما أتمت الدورة
انتخابات الكنيست 26..هندسة الضم وتسارع التطهير العرقي ورقة لعبور الصناديق
تُظهر المعطيات الميدانية والتحليلات الصادرة عن المؤسسات الحقوقية والدولية أن المشهد السياسي الإسرائيلي يشهد تحولا بنيويا غير مسبوق مع اقتراب انتخابات الكنيست الـ26؛ إذ لم يعد التوسع الاستيطاني مجرد مكاسب ميدانية تُنتزع تدريجيا، بل تحول إلى ورقة ضغط ومزايدة انتخابية رئيسية تُصاغ على أساسها التحالفات الحاكمة وتُحدد بها نتائج صندوق الاقتراع، بالتوازي مع تصعيد عمليات الهدم والتهجير القسري التي تتخذ -وفق المعطيات الواردة- طابعا متصاعدا من التطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
ورغم الشكليات التنافسية بين ائتلاف اليمين الحاكم وتيارات المعارضة الصهيونية، يسود إجماع استراتيجي عابر للأحزاب على توظيف السباق الانتخابي لتثبيت واقع الضم الفعلي والإداري للضفة الغربية المحتلة، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وتكثيف الضغط الميداني والتهجير القسري، بما يجعل الاستيطان والضم والتطهير العرقي جزءا من المعادلة السياسية والانتخابية، وشرطا لنيل الثقة من الشارع الإسرائيلي.
المزايدات في انتخابات الكنيست والميزانيات المليارية
تثبت الأرقام الرسمية والاتفاقيات السياسية أن التنافس في انتخابات الكنيست داخل الحلبة الإسرائيلية أصبح يُقاس بحجم الميزانيات المرصودة لترسيخ الاستيطان وتفكيك أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.
وفي هذا السياق، وقّعت حكومة الاحتلال "اتفاقيات إطار" بقيمة تتجاوز 8 مليارات شيكل، نحو 2.7 مليار دولار، لإنشاء زهاء 12 ألف وحدة استيطانية جديدة تتركز في شمال الضفة الغربية، كما صادق المجلس الوزاري المصغر "الكابينيت" على تخصيص 434 مليون دولار لشرعنة وتأسيس 34 مستوطنة جديدة.
هذه الاتفاقيات قادها ووقّعها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
وخلال الفترة بين عامي 2022 و2026، جرت المصادقة على أكثر من 104 مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة، بالتوازي مع نشر أكثر من 160 بؤرة رعوية وزراعية في مختلف أرجاء الضفة الغربية.
وتؤكد تقييمات حركة "سلام الآن" أن الهدف المباشر لهذه الالتزامات المليارية هو تكبيل أي حكومة إسرائيلية قادمة عبر فرض التزامات مالية وهيكلية تجعل من المستحيل التراجع عن سياسات التوسع الاستيطاني.
مواقف الكتل المتنافسة
يطالب اليمين الحاكم والبديل، ممثلا بـ"الصهيونية الدينية" و"العظمة اليهودية" وتحالف "بيَحَد" بقيادة بينيت، علنا بضم أكثر من 60% من الضفة الغربية، أي المناطق "ج "، وإعادة الاستيطان في شمال الضفة، مع استغلال المواقع الحكومية لفرض الموازنات الاستيطانية كشرط لأي ائتلاف قادم.
في المقابل، تركز كتل المعارضة الصهيونية، ومنها "المعسكر الوطني" و"ييش عتيد" و"الديمقراطيون"، على اتهام نتنياهو بالتسبب بـ"الفشل الإداري والأمني"، مع التمسك الصريح بـ"التكتلات الاستيطانية الكبرى" والمناطق الأمنية، دون تقديم برنامج ينص على إنهاء الاحتلال أو تفكيك البؤر الاستيطانية.
التطهير العرقي والهدم والتهجير القسري كأداة دعاية
بالتوازي مع ضخ الأموال، تُترجم السياسات الانتخابية ميدانيا عبر تصعيد غير مسبوق في عمليات الهدم والتجريف، لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، في سياق التطهير العرقي الذي تقوم به قطعان المستوطنين.
وتوثق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "OCHA" ومنظمة "بتسيلم" أن معدلات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في المنطقة "ج" والقدس الشرقية ارتفعت منذ عام 2024 إلى أكثر من ضعف المتوسط السنوي المسجل طوال السنوات الـ15 الماضية.
وأدى هذا التصعيد إلى تهجير قسري متواصل للمجتمعات البدوية والرعوية والتي تقف في خط المواجهة الأول ضد الاستيطان الرعوي، وفي مقدمتها تجمعات "رأس عين العوجا"، و"مسافر يطا"، وتجمعات الأغوار.
وتعمل هذه المنظومة من خلال التنسيق بين أوامر الهدم الإدارية الرسمية واعتداءات المستوطنين المسلحين على خلق بيئة قسرية تطرد السكان من أراضيهم، بالتزامن مع استمرار التهديدات بتهجير قرية "خان الأحمر" وتمرير المشروع الاستيطاني الخطير (E1) الذي يهدف إلى شطر الضفة الغربية إلى جزأين وفصلها عن القدس المحتلة.
تسليم إدارة الضفة الغربية لحركة الاستيطان
يتمثل التحول الأهم والأكثر خطورة في نقل صلاحيات الحكم والميدان في الضفة الغربية من المؤسسة العسكرية إلى حركة الاستيطان نفسها.
وفي هذا الإطار، جرى تجريد قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال من صلاحياته المدنية والتخطيطية، ونقلها رسميا إلى "إدارة الاستيطان" المدنية المستحدثة داخل وزارة الحرب برئاسة بتسلئيل سموتريتش.
ويمثل هذا التغيير الهيكلي انتقالا صريحا من الضم الفعلي إلى الضم الإداري والقانوني الدائم، حيث بات موظفون مدنيون يتبعون أيديولوجيا لتيار الاستيطان هم من يديرون شؤون التخطيط والأنشطة الإدارية والأراضي.
كما جرى توسيع صلاحيات "الإدارة المدنية" لتشمل التدخل والهدم داخل المنطقة "ب"، الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو، تحت ذريعة "حماية الآثار والمواقع التراثية".
وأدى ذلك عمليا إلى تجريد السلطة الفلسطينية من صلاحياتها التخطيطية والخدمية، وإلغاء التقسيمات الجغرافية السابقة لصالح سيادة إسرائيلية إدارية مباشرة.
وفي حزيران 2024، اتخذ كابينت الاحتلال قرارا استراتيجيا بملاحقة السلطة الفلسطينية عبر التمدد الإداري في المنطقة (ب)، هذا القرار لم يعد يكتفي بالسيطرة على المنطقة (ج)، بل يسعى لإلغاء التمايز القانوني الذي وضعته اتفاقيات أوسلو.
-
ذريعة "حماية التراث": مُنحت الإدارة المدنية (تحت نفوذ سموتريتش) صلاحيات الهدم والضبط في المنطقة (ب) بذريعة حماية المواقع الأثرية.
-
وزارة التراث: يلعب الوزير أميحاي إلياهو ووزارته دورا محوريا في "قومية علم الآثار"، حيث يتم استخدام مواقع مثل "جبل عيبال" و"تل أروما" كركائز لفرض السيادة، ومنع أي تمدد عمراني فلسطيني في المناطق المصنفة (ب).
-
الهدف السياسي: يهدف هذا الإجراء إلى معاقبة السلطة الفلسطينية وتجريدها من صلاحياتها المدنية المتبقية، وتحويل الآثار إلى "خندق أمامي" للاستيطان.
قادة المستوطنين.. محرك أساسي لنتائج صندوق الاقتراع
تتحول الاعتداءات الميدانية والنفوذ السياسي لقادة الاستيطان إلى محرك أساسي لنتائج صندوق الاقتراع وتعمل المنظومة الاستيطانية عبر التنسيق بين أوامر الهدم الإدارية الرسمية واعتداءات المستوطنين المسلحين في "البؤر الرعوية" لخلق بيئة قسرية تطرد السكان من أراضيهم، مما يوفر للتيارات المتطرفة مادة دعاية قائمة على "فرض واقع السيادة باليد".
وفي الوقت ذاته، تحول مجلس المستوطنات "يشع" وقادة التيار الصهيوني الديني، سموتريتش وبن غفير، إلى القوة الأبرز الموجهة للقرار السياسي؛ حيث يُشترط تقديم الدعم السياسي والائتلافي لأي رئيس حكومة قادم مقابل قرارات فورية بزيادة ميزانيات الاستيطان، وتوسيع البؤر، وإلغاء القيود القانونية والتخطيطية.
الضم المالي والسيطرة الاقتصادية
تتكامل الأدوات السياسية مع الأدوات الاقتصادية لتكثيف الضغط على المجتمع والمؤسسات الفلسطينية ويأتي احتجاز أموال المقاصة في مقدمة هذه الأدوات، من خلال استخدام اقتطاع وعرقلة تحويل العائدات الضريبية الفلسطينية كـ"إنجاز سياسي" وأداة شلل مالي لمؤسسات السلطة الفلسطينية.
كما يجري إقرار ميزانيات ضخمة لبناء الطرق الالتفافية والمشاريع المائية والكهربائية المخصصة للمستوطنات، لربط الضفة الغربية نهائيا بشبكات الخدمات داخل الخط الأخضر.
الانتخابات مظلة لمأسسة الضم وتكريس الأبرتهايد
تؤكد معطيات سباق انتخابات الكنيست الـ26 أن التنافس السياسي الحزبي داخل كيان الاحتلال أصبح محكوما بالقدرة على مصادرة الجغرافيا الفلسطينية وتصعيد آليات التهجير والتطهير العرقي، لتشكل هذه الانتخابات المظلة المؤسسية لأشرس موجات التوسع الاستيطاني ومأسسة الضم الفعلي والإداري للضفة الغربية والقدس المحتلة.
ومحصلة هذه التحولات الإدارية والقانونية، المتمثلة في نقل صلاحيات "الإدارة المدنية" والتمدد في المنطقة (ب) تحت ذريعة حماية الآثار والتراث، تقود عمليا إلى إعدام اتفاقية أوسلو من طرف واحد وتجريد السلطة الوطنية الفلسطينية من صلاحياتها التخطيطية والخدمية، مما يُكرس نظام تمييز عنصري "أبرتهايد" مؤسسي كامل الأركان يُدار عبر منظومتين قانونيتين منفصلتين "مدنية امتيازية للمستوطنين وعسكرية قمعية للفلسطينيين"، ويُمزق الجغرافيا الفلسطينية عبر تحويل المناطق (أ) و(ب) إلى معازل مخنوقة ومقطوعة التواصل تُشبه المعازل أو إقليميات جغرافية مقتطعة ومحاصرة، تفتقر إلى التتابع الجغرافي والسيادة الفعلية ما يقضي تماما على أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية.
اقرأ المزيد.. انتخابات الكنيست الـ26.. صراع على إدارة الاحتلال لا على إنهائه