انتخابات الكنيست الـ26.. صراع على إدارة الاحتلال لا على إنهائه

الصورة
جدارية كبيرة تضم صورا  لكل من بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بالعبرية: כהנא חי - كاهانا حي شعار مرتبط بالتيار اليميني المتطرف في  دولة الاحتلال
جدارية كبيرة تضم صورا لكل من بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بالعبرية: כהנא חי - كاهانا حي شعار مرتبط بالتيار اليميني المتطرف في دولة الاحتلال
آخر تحديث

يتجه الناخبون في دولة الاحتلال الإسرائيلي في الـ27 من تشرين الأول 2026 إلى صندوق اقتراع انتخابات الكنيست بدورتها الـ26، بعدما أتمت الدورة الـ25 للكنيست ولايتها الكاملة لأول مرة منذ عام 1988. 

ورغم الاستقطاب السياسي الحاد والشرخ المجتمعي الذي يشهده الكيان حول ملفات إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وأزمة تجنيد الحريديم، والتعديلات القضائية، تجري هذه الانتخابات تحت سقف إجماع صهيوني عابر للكتل الحاكمة والمعارضة على حد سواء؛ إجماع يقوم على التصفية الفعلية للملف السياسي الفلسطيني، وتكريس منظومة "إدارة الصراع" والقمع العسكري والتوسع الاستيطاني.

الخارطة السياسية والتوازنات في انتخابات الكنيست

تظهر الاستطلاعات تحول المشهد السياسي الإسرائيلي إلى تكتلات يمنية متصارعة على السلطة دون اختلاف جوهري في العقيدة الاحتلالية.

معسكر اليمين الحاكم: يقود بنيامين نتنياهو حزب "الليكود" المحتفظ بصدارته التقليدية بـ22 إلى 27 مقعدا، مدعوما بدمج حزب "تيكفا حديداش" (أمل جديد) بزعامة جدعون ساعار، وتحالفه العضوي مع الأحزاب الدينية المتزمتة ("شاس" و"يهدوت هتوراة") وتيار الصهيونية الدينية الفاشية.

معسكر اليمين البديل والوسط: يضم حزب "يشار" برئاسة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي برز كقوة رئيسية في المعارضة تنافس الليكود بـ22 إلى 25 مقعدا، معتمدا على استقطاب قيادات أمنية وعسكرية سابقة. ويضم هذا المعسكر أيضا: 

  • تحالف "بيحاد" (معا)، الذي يجمع بين رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ("بينيت 2026") ويائير لابيد ("يش عتيد")، بواقع 14 إلى 24 مقعدا.

  • تحالف "الديمقراطيون" بقيادة نائب رئيس الأركان السابق يائير جولان، وهو نتاج اندماج حزبي "العمل" و"ميرتس"، ويحصل على نحو 10 مقاعد.

  • حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، الذي يحافظ على كتلة مستقلة تضم نحو 6 إلى 9 مقاعد.

الإجماع الصهيوني على عقيدة "إدارة الصراع"

يكشف تحليل البرامج الانتخابية للأحزاب الصهيونية كافة أن التنافس السياسي ينحصر في كفاءة إدارة الاحتلال وقمع الفلسطينيين، وليس في البحث عن حلول سياسية.

إقصاء خيار الدولة الفلسطينية: غاب الملف الفلسطيني كليا عن الخطاب الانتخابي لأحزاب اليمين والوسط الصهيوني. بل إن رئيس حزب "بيحاد" نفتالي بينيت ينادي علنا بضم أكثر من 60% من الضفة الغربية المحتلة وتكثيف الاستيطان لتهويد المنطقة.

العودة إلى عقيدة "6 أكتوبر": تُجمع أحزاب المعارضة والحكومة على استعادة فرضية إمكانية عزل القضية الفلسطينية عن المشهد الإقليمي والدولي، وتفريغ أي خطة تسوية من محتواها، والتركيز الحصري على أدوات الردع والهيمنة العسكرية.

ماذا تعني "عقيدة 6 أكتوبر"؟

 وهي المنظومة السياسية والأمنية التي اعتمدتها حكومة الاحتلال قبل أحداث 7 أكتوبر 2023، وتتأسس هذه العقيدة على قناعة تفيد بإمكانية "إدارة الصراع" وتهميش الملف السياسي الفلسطيني كليا، وعزله عن المسارات الإقليمية والدولية وموجات التطبيع، دون الحاجة لتقديم أي تنازلات سياسية أو الوصول إلى تسوية شاملة. 

وتعتمد هذه الرؤية على تقنيات التفوق العسكري والردع والجدار الفاصل للسيطرة على الأوضاع الميدانية، وتفريغ أي طروحات للحل السياسي من مضمونها لصالح تكريس الواقع الاستيطاني والأمني القائم

"صعود العسكر" وتدوير القيادات الأمنية

يلاحظ في هذه الدورة من انتخابات الكنيست استدعاء مكثف للجنرالات السابقين لقيادة المعارضة الصهيونية، حيث يقدم هؤلاء أنفسهم كبديل "أكثر كفاءة وانضباطا" لنتنياهو في إدارة المؤسسة الأمنية.

ويرتكز حزب "يشار" برئاسة غادي آيزنكوت على جنرالات سابقين وقادة أجهزة أمنية مثل طال روسو ويورام كوهين، ويركز برنامجه السياسي على بناء القوة العسكرية، وفرض التجنيد الإجباري، وتأمين أغلبية يهودية مستقرة.

ويتجاهل آيزنكوت وطاقمه العسكري تقديم أي رؤية لوقف الاستيطان أو معالجة الحقوق الفلسطينية، مقتصرين برنامجهم في المزايدة العسكرية وتشكيل لجان تحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر.

توظيف الاستيطان والدم الفلسطيني في الدعاية الانتخابية

تستثمر أحزاب أقصى اليمين الفاشي، إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، موقعها في الحكومة لدفع برامج الضم الفعلي والتطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس المحتلة كبطاقة اقتراع انتخابية. ويشمل ذلك: 

  • تسخير الميزانيات الحكومية لتوسيع المستوطنات والبؤر الرعوية.

  • تثبيت واقع الضم الإداري للضفة الغربية تحت إشراف سموتريتش.

  • المزايدة الانتخابية عبر تصعيد سياسات الهدم والتضييق على الأسرى الفلسطينيين والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى لكسب أصوات المستوطنين وشريحة اليمين المتطرف.

معادلة الصوت العربي والانسداد السياسي

تُظهر معطيات الاستطلاعات أن أيا من الكتل الصهيونية، حكومة أو معارضة، لن تتمكن من الوصول إلى الرقم المطلق لتشكيل الحكومة، وهو 61 مقعدا، دون الاعتماد الحسابي على مقاعد الأحزاب العربية المتوقعة بـ10 إلى 11 مقعدا.

وتتعامل المعارضة الصهيونية مع الصوت العربي كـ"شبكة أمان" أو "بلوك مانع" لإسقاط نتنياهو فقط، مع الرفض القاطع لدخول الأحزاب العربية في ائتلاف حكومي حقيقي أو التعاطي مع مطالبها الوطنية.

وصرح نفتالي بينيت بوضوح بأن "الأحزاب العربية ليست صهيونية وبالتالي لن نعتمد عليها"، بينما وضع غادي آيزنكوت شروطا صهيونية لأي تفاهمات، تشمل الاعتراف بـ"يهودية الدولة" وأداء الخدمة المدنية أو العسكرية.

وتتوزع القوائم العربية بين تحالف "حدش-تعال" مع حزب "بلد" في قائمة مشتركة، بينما تخوض القائمة العربية الموحدة ("رعام" بزعامة منصور عباس) الانتخابات بشكل منفصل وفق نهج براغماتي تركز فيه على الخدمات والتأثير من الداخل.

مقارنة سريعة للكتل والأحزاب الإسرائيلية

الكتلة / الحزب القيادة الرئيسية المقاعد المتوقعة أبرز محاور البرنامج الانتخابي

الليكود وائتلاف اليمين

بنيامين نتنياهو وجدعون ساعار

22 - 27

  • منع قيام دولة فلسطينية.

  • إدارة الصراع بالقوة.

  • تثبيت الائتلاف مع الحريديم واليمين الفاشي.

حزب "يشار"

غادي آيزنكوت

22 - 25

  • تشكيل لجنة تحقيق رسمية في 7 أكتوبر.

  • سن دستور.

  • فرض التجنيد الإجباري.

  • تغييب الملف السياسي الفلسطيني.

تحالف "بيحاد" (معا)

نفتالي بينيت ويائير لابيد

14 - 24

  • إسقاط نتنياهو.

  • تحديد ولايات رئيس الحكومة.

  • سن دستور.

  • ضم أكثر من 60% من الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان.

الصهيونية الدينية وزهوت

بتسلئيل سموتريتش وموشيه فيجلين

5 - 7

  • تسريع الضم الفعلي للضفة الغربية.

  • تهويد النقب والجليل.

  • توسيع الميزانيات الاستيطانية.

عظمة يهودية (عوتسما يهوديت)

إيتامار بن غفير

6 - 7

  • تشديد التضييق على الأسرى.

  • استباحة المسجد الأقصى.

  • تعميق قمع فلسطينيي الـ48.

الأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراة)

أرييه درعي وإسحاق غولدكنوبف

15 - 19

  • حماية الإعفاء من التجنيد العسكري.

  • توسيع الميزانيات الحكومية للمؤسسات الدينية.

حزب "الديمقراطيون"

يائير جولان

4 - 10

  • توحيد اليسار الصهيوني.

  • الطرح الكلامي لـ"حل الدولتين" لضمان الأغلبية اليهودية.

إسرائيل بيتنا

أفيغدور ليبرمان

6 - 9

  • إقرار دستور صهيوني.

  • فرض التجنيد على الحريديم.

  • رفض الشراكة مع نتنياهو والحريديم.

القوائم العربية

يوسف جبارين/ منصور عباس

10 - 11

  • مواجهة الجريمة الممنهجة.

  • النضال المدني والوطني.

  • إنهاء الاحتلال.

البعد الإقليمي والدولي: وهم "إدارة الصراع"

يكشف تحليل المواقف الخارجية للكتل الصهيونية أن نتائج الصندوق لن تحدث تحولا استراتيجيا في السلوك الخارجي للاحتلال.

وتعتمد المعارضة بقيادة بينيت وآيزنكوت فرضية نتنياهو ذاتها القائمة على إمكانية تعميق مسارات التطبيع الإقليمي ورعاية العلاقات مع الإدارة الأمريكية، دون تقديم أي تنازلات سياسية للشعب الفلسطيني أو الاعتراف بحقوقه الوطنية.

كما يسعى التكتل الصهيوني بجميع أطيافه إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 7 أكتوبر 2023 عبر العودة إلى استراتيجية "إدارة الصراع" وتقسيم الجغرافيا الفلسطينية، واستغلال مظلة الحماية الأمريكية لتهميش القضية الفلسطينية إقليميا ودوليا.

السيناريوهات المستقبلية

تُظهر القراءة الحسابية لنتائج الاستطلاعات حالة انسداد بنيوي قد تدفع الكيان إلى حلقة مفرغة من الأزمات السياسية والانتخابات المبكرة المتكررة.

ولا تستطيع كتلة المعارضة الصهيونية، التي تحصل على 56 إلى 60 مقعدا، ولا كتلة نتنياهو، التي تحصل على 49 إلى 52 مقعدا، الوصول إلى الرقم المطلق لتشكيل الحكومة، وهو 61 مقعدا، دون الاعتماد الحسابي على مقاعد الأحزاب العربية البالغة 10 إلى 11 مقعدا.

وفي ظل رفض أكثر من 70% من الشارع اليهودي إشراك الأحزاب العربية في الحكومة، وإعلان بينيت وآيزنكوت ولابيد رفضهم القاطع للاعتماد على الصوت العربي أو إشراك القوائم العربية في ائتلاف حكومي، يبقى سيناريو الفشل في تشكيل الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة جديدة مطروحا، بما يعكس هشاشة النظام السياسي الإسرائيلي وعدم قدرته على تحقيق الاستقرار.

وتؤكد انتخابات الكنيست الـ26 أن التغيير المرتقب في القيادة الإسرائيلية -إن حدث- هو تغيير في الأوجه والأساليب لا في العقيدة؛ فالمنظومة الصهيونية بجميع كتلها تتفق على استمرار الاحتلال، وتعميق الاستيطان، وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ما يجعل صندوق الاقتراع أداة لإعادة إنتاج السياسات الاستعمارية بوجوه مختلفة.

00:00:00