بروتوكول هانيبال: عقيدة "الموت أهون من الأسر" في الجيش الإسرائيلي

الصورة
جنود من جيش الاحتلال يسيرون في كيبوتس بئيري على حدود قطاع غزة 22/10/2023 | المصدر: رويترز
جنود من جيش الاحتلال يسيرون في كيبوتس بئيري على حدود قطاع غزة 22/10/2023 | المصدر: رويترز
آخر تحديث

من بين أكثر الأسرار العسكرية لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي، إثارة للجدل يبرز بروتوكول هانيبال وهو الإجراء الذي يفضل فيه قادة الجيش أن يقتل جنودهم على أن يقعوا أسرى في أيدي خصومهم.

نص بروتوكول هانيبال

ينص بروتوكول هانيبال على أن أي محاولة لاختطاف جندي إسرائيلي يجب أن تواجه باستخدام كل الوسائل الممكنة، حتى لو كان الثمن إطلاق النار على الجندي نفسه أو تعريض حياته للخطر. 

ويعكس هذا التوجه إدراكا لدى صانعي القرار في تل أبيب بأن المجتمع الإسرائيلي، في كل مرة يؤسر فيها جندي، يبدي استعدادا لدفع أثمان باهظة لاستعادته، سواء عبر صفقات تبادل "غير متكافئة" حسب وصفهم أو بوقف العمليات العسكرية مؤقتا.

وبعد الفضيحة التي أثارتها تسريبات البروتوكول وتزايد النقد الداخلي والخارجي لدولة الاحتلال، أعلن في عام 2017 عن استبدال إجراء بديل غامض به، لم تنشر تفاصيله حتى اليوم، غير أن الوقائع الميدانية تظهر أن جيش الاحتلال ما زال يطبق جوهر "هانيبال" عمليا، ليس فقط على جنوده، بل أحيانا على المدنيين، بما يكشف أن الفكرة الأساسية: "قتل الأسير خير من وقوعه بيد العدو" ما تزال حاضرة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

فمنذ صياغته عام 1986، ظل هذا البروتوكول طي الكتمان لسنوات طويلة، حتى ظهر في حوادث ميدانية دامية كان أبرزها مجزرة رفح عام 2014، ليكشف عن عقلية عسكرية ترى أن "الجندي القتيل أفضل من الجندي الأسير". 

عاد البروتوكول ليطفو بقوة على السطح في معركة طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمكنت خلالها من أسر مئات الجنود والمستوطنين، ما دفع الاحتلال إلى شن ضربات جوية مكثفة لم تميز بين الأسرى والمقاومين.

هانيبال تسمية غامضة بين التاريخ والصدفة

تختلف الروايات حول تسمية البروتوكول بـ"هانيبال":

  • هناك من يربطها بالقائد القرطاجي "حنبعل برقا"، الذي فضل الانتحار بالسم على الوقوع أسيرا بيد أعدائه الرومان.

  • تزعم مصادر إسرائيلية أن الاسم قد اختير عشوائيا عبر برنامج حاسوب عسكري.

في كلا الحالين، ارتبط الاسم بمعنى واحد: الموت قبل الأسر.

ظروف الصياغة الأولى

وضع بروتوكول هانيبال عقب صفقة تبادل الأسرى المعروفة بـ"صفقة الجليل" عام 1985، حين أفرجت "إسرائيل" عن 1150 أسيرا فلسطينيا مقابل 3 جنود فقط، وجرت يوم 21 أيار من عام 1985 بين حكومة الاحتلال برئاسة شمعون بيريز والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة. 

هذا "الثمن الباهظ" من وجهة نظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كان نقطة التحول، حيث قال القادة إن أي عملية أسر لاحقة ستستخدم كورقة ضغط مكلفة.

في عام 1986، وبعد أسر حزب الله لجنديين إسرائيليين، صاغت لجنة من كبار الضباط –بينهم يوسي بيليد، وغابي أشكنازي، وعمرام ليفين، ويعقوب أميدرور– بروتوكول هانيبال رسميا، موجهين الجنود إلى عرقلة أي عملية اختطاف "بأي ثمن".

سرية مطبقة لسنوات

لأكثر من عقدين، فرضت الرقابة العسكرية الإسرائيلية تعتيما كاملا على البروتوكول:

  • منع الصحفيون من الحديث عنه.

  • لم ينشر نصه قط بحجة الحفاظ على "معنويات الجمهور".

  • وظل ينقل شفويا بين القادة الميدانيين.

ولم يرفع الغطاء عنه إلا في 2003، حين كشف طبيب إسرائيلي سابق في الخدمة الاحتياطية تفاصيل عنه وطالب بإلغائه.

جوهر العقيدة: "قتيل لا أسير"

في صلب البروتوكول تكمن عقيدة "الجندي القتيل أفضل من الجندي الأسير"، ويقوم البروتوكول في جوهره على عقيدة الأرض المحروقة، حيث يعطى القادة الميدانيون أوامر بفتح النار بشكل عشوائي فور وقوع عملية أسر، بهدف قتل الجندي الأسير ومن يأسره في الوقت نفسه. 

وتكشف شهادات ميدانية حجم التوحش الكامن في هذا التوجه، إذ سجل في عام 2011 أن أحد قادة لواء جولاني خاطب جنوده قائلا: 

"لن يُختطف أي جندي من الكتيبة 51 تحت أي ظرف. حتى لو اضطر إلى تفجير قنبلته اليدوية وقتل نفسه مع خاطفيه، أو اضطرت الوحدة إلى إطلاق النار على سيارة الهروب بما فيها من جندي أسير."

  • يجيز فتح النار العشوائي لإيقاف الخاطفين حتى لو قتل الأسير.

  • يضع المسؤولية الكاملة على القائد الميداني الذي يجب أن يتصرف خلال "الدقائق الأولى الحاسمة".

  • تصل التوجيهات أحيانا إلى مطالبة الجنود باستخدام قنابلهم اليدوية ضد أنفسهم إن لزم الأمر لمنع أسرهم.

هكذا تحول مبدأ حماية الجندي إلى مبدأ التضحية به "لأجل أمن إسرائيل الاستراتيجي".

أمثلة دامية من التنفيذ

  • مجزرة رفح في آب 2014: حين اعتقد أن هدار غولدين أسر، شن جيش الاحتلال قصفا عشوائيا استمر 3 ساعات وأسفر عن استشهاد نحو 200 مدني فلسطيني، بينهم 75 طفلا.

  • طوفان الأقصى 2023: مع أسر نحو 250 إسرائيليا بينهم عشرات الجنود والضباط، فعّل الاحتلال البروتوكول وقصف مناطق وجود الأسرى بلا تمييز، ما أدى إلى مقتل عدد غير محدد منهم.

  • قلنديا 2016: استخدم البروتوكول نصف ساعة بعد فقدان أثر جندي خلال اقتحام المخيم.

  • الشجاعية 2014: قصف جيش الاحتلال بشكل مكثف حي الشجاعية بعد فقدان جندي آخر.

  • مزارع شبعا 2000: حين أسر حزب الله 3 جنود، أطلقت مروحية إسرائيلية النار على 26 مركبة مدنية.

هذه النماذج أظهرت أن البروتوكول لا يهدد حياة الجنود فقط، بل يفتح الباب أمام مجازر واسعة بحق المدنيين.

تعديلات ومحاولات للإلغاء

  • 2006 (بعد أسر شاليط): عدل النص لتخفيف اللغة المباشرة الداعية لقتل الجنود، عبر ما سمي "مبدأ التأثير المزدوج".

  • 2016: أعلن رئيس أركان الاحتلال غادي آيزنكوت إلغاء البروتوكول رسميا، بعد توصية قانونية بوصفه مخالفا للقانون الدولي.

  • لكن تقارير متكررة منذ 2016 تؤكد أن "جوهر هانيبال" لا يزال يطبق ميدانيا تحت مسميات أخرى، خصوصا في غزة.

انتقادات داخلية وخارجية

أثار البروتوكول جدلا كبيرا:

  • داخل دولة الاحتلال: رفض قادة كتائب تمريره للجنود بدعوى "عدم قانونيته"، فيما لجأ بعض الجنود للحاخامات لطلب فتوى بشأن تنفيذه.

  • منظمات حقوقية: اعتبرته جمعية الحقوق المدنية في دولة الاحتلال "جريمة حرب" وانتهاكا لمبدأ التمييز في القانون الدولي.

  • القانون الدولي: وصفه خبراء بالقانون الإنساني بأنه "وسيلة قتال غير قانونية تهز أسس الأخلاق والقانون".

يكشف بروتوكول هانيبال عن معضلة إسرائيلية عميقة:

  • من جهة، ترى القيادة العسكرية أن الأسر خطر استراتيجي يفرض عليها دفع أثمان سياسية باهظة.

  • ومن جهة أخرى، يقوض البروتوكول ثقة الجنود بجيشهم، إذ يدركون أن قيادتهم قد تفضل موتهم على إنقاذهم.

يكشف بروتوكول هانيبال عن الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي: منظومة عسكرية استعمارية لا تعرف للإنسانية معنى، مستعدة لأن تفتك بالمدنيين وبجنودها معا في سبيل حماية مشروعها التوسعي، إن الجيش الذي يشرعن قتل أسراه بدلا من حمايتهم، ويحول حياة البشر –سواء كانوا من جنوده أو من المدنيين الواقعين تحت احتلاله– إلى مجرد أوراق تفاوض، ليس سوى جيش قاتل يؤمن بالعقيدة الصهيونية القائمة على الدم والخراب.

ورغم إعلان إلغاء البروتوكول، فإن الممارسة الميدانية في غزة ولبنان تثبت أن "هانيبال" ما زال حاضرا كعقيدة عملية، تتجلى في المجازر اليومية ضد الأبرياء. وهكذا يظهر الاحتلال على حقيقته: كيان غاصب لا يتورع عن حرق الأرض ومن عليها، حتى جنوده، في سبيل بقاء مشروعه. 

اقرأ المزيد.. الاحتلال يتعمد قتل أسراه

00:00:00