هيكلة الجيش الأردني المصطفوي: قراءة للأبعاد السياسية والعسكرية

الصورة
الملك عبدﷲ الثاني ورئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف الحنيطي | القوات المسلحة
الملك عبدﷲ الثاني ورئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف الحنيطي | القوات المسلحة
آخر تحديث

أكد الخبير العسكري والمحلل السياسي، العقيد المتقاعد محمد المقابلة، أن الرسالة الملكية السامية التي وجهها الملك عبدالله الثاني للقوات المسلحة الأردنية بشأن إعادة هيكلة الجيش تمثل نقلة نوعية استراتيجية تهدف إلى مواكبة التطورات العسكرية العالمية وتعزيز أمن الأردن واستقراره في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة.

تحديد مدة 3 سنوات لإعادة هيكلة الجيش تحمل رسالة طمأنينة

واعتبر المقابلة، في حديثه لـ حسنى، أن تحديد مدة ثلاث سنوات لإنجاز عملية إعادة هيكلة الجيش يحمل رسالة طمأنينة غير مباشرة للشعب الأردني، مفادها أن الدولة تمر بمرحلة إعداد داخلي وتطوير استراتيجي مدروس، الأمر الذي ينفي الادعاءات التي تروج لانجرار الأردن إلى حروب أو أحلاف خارجية في المستقبل القريب.

وأوضح أن العقل العسكري لا يقدم على إعادة هيكلة شاملة تتضمن الدمج والإلغاء والتبديل في الوحدات، في حال كان مقبلا على معارك وشيكة، إذ تتطلب هذه المرحلة استقرارا وهدوءا وتخطيطا بعيد المدى.

التحول التقني ومواكبة أجيال الحروب

مع بروز الطائرات المسيرة كسلاح مركزي في النزاعات الحديثة، أشار المقابلة إلى أن القوات المسلحة الأردنية تواكب تطور أجيال الحروب المتلاحقة، من الحروب التقليدية وصولا إلى الحروب السيبرانية وحرب المسيرات، مؤكدا أن عملية التحديث في الجيش ليست وليدة اللحظة، بل نهجا مستمرا ومتراكما.

وبين أن الهيكلة الحالية تستند إلى دراسة علمية دقيقة للمخرجات الجديدة التي فرضتها الأحداث الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها ما جرى في "طوفان الأقصى"، وما أفرزه من تقنيات وأساليب قتال لم تكن حاضرة في الخطط العسكرية السابقة، حيث يتم على ضوء ذلك إعادة بناء "المدخلات" العسكرية، لتشمل منظومات حماية استراتيجية وأنظمة دفاعية وقتالية متطورة.

استحداث وحدات متخصصة لحرب المسيرات

وأوضح المقابلة أن بروز حرب المسيرات كتهديد حديث دفع القوات المسلحة، وبتوجيهات ملكية مباشرة، إلى إجراء تطورات فورية، تمثلت في استحداث وحدات متخصصة، وتأهيل الضباط والجنود للتعامل مع هذا النوع من السلاح، ضمن منظومة متكاملة تواكب الجيلين الخامس والسادس من الحروب.

الاعتماد على الذات واستثمار الكفاءات الوطنية

ويشكل الاستثمار في الكفاءات الوطنية أحد المرتكزات الأساسية في مسار التحديث، ويركز النهج الحالي في التطوير العسكري بشكل أساسي على استثمار الكفاءات الفنية والعلمية والهندسية الموجودة داخل القوات المسلحة، والتي أثبتت قدرتها على الابتكار وتوفير كلف مالية باهظة كانت تدفع سابقا لشركات خارجية، ما يعزز مبدأ الاعتماد على الذات في منظومات الدفاع والقتال.

وعي استخباري وسيبراني مبكر

وسلط المقابلة الضوء على التاريخ الطويل للجيش الأردني في مجال الوعي الاستخباري التقني، مستذكرا حادثة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما تمكن نشامى القوات المسلحة من اكتشاف أجهزة تجسس مزروعة داخل أجهزة حاسوب قُدمت كهدية من دولة صديقة، قبل إدخالها الخدمة في مواقع حساسة.

وأشار إلى أن هذا الوعي تطور لاحقا ليشمل أبحاثا متخصصة في مجال التجسس الرقمي منذ عام 2005، ما يعكس اهتماما مبكرا بحماية أمن المعلومات والمنشآت والأفراد.

توطين التكنولوجيا وبناء القدرات السيبرانية

وأوضح العقيد المتقاعد أن الملك أدرك منذ عام 2004 الأهمية الاستراتيجية لتخصص "الأنظمة المضمنة" (Embedded Systems)، باعتباره من أكثر التخصصات حساسية في المجالات العسكرية والسيبرانية، ما دفع إلى ابتعاث ضباط متخصصين للدراسة في الهند، بالتوازي مع التعاون الأكاديمي مع جامعة اليرموك، لامتلاك هذه المعرفة الحيوية.

وأشار إلى أن هذا الاستثمار في الكفاءات البشرية مكن الجيش من صيانة وبناء أنظمة معقدة داخليا، لافتا إلى قيامه شخصيا بإصلاح أنظمة كانت شركات أجنبية تطالب بمئات آلاف الدولارات لصيانتها، بكلفة لم تتجاوز 40 دينارا أردنيا.

منهجية علمية لتطوير أنظمة الحماية

وبين المقابلة أن عملية هيكلة الجيش وتطويره تعتمد على منهجية علمية قائمة على تحليل النظم، حيث تتم دراسة مخرجات الأحداث الإقليمية، ثم إعادة بناء المدخلات والمنظومات الدفاعية وفق تلك النتائج، بما يشمل إعادة تقييم شاملة لأنظمة حماية المواقع الاستراتيجية في الدولة، لمواجهة التهديدات السيبرانية والجوية الحديثة.

الإنسان العسكري أساس القوة

وأكد المقابلة أن العنصر الحاسم في مواجهة التحديات المستقبلية يتمثل في المستوى العلمي والأكاديمي المتقدم للضباط والأفراد، مشيرا إلى أن القوات المسلحة الأردنية تضم كفاءات فنية وهندسية تضاهي نظيراتها في جيوش عالمية كبرى، وقادرة على التعامل مع التقنيات المتقدمة في مجالات الأقمار الصناعية والاتصالات والتحكم الرقمي.

وأضاف أن ما يميز الهيكلة الحالية أنها تبنى بأيدي أبناء القوات المسلحة أنفسهم، دون الاعتماد على جهات خارجية.

ثبات العقيدة العسكرية وحماية المقدسات

وختم الخبير العسكري والمحلل السياسي، العقيد المتقاعد محمد المقابلة، حديثه بالتأكيد على أن إعادة هيكلة الجيش تستهدف الجوانب التنظيمية والخدماتية فقط، بينما تبقى العقيدة العسكرية الراسخة المستمدة من روح الإسلام، ومهمة حماية المقدسات والوصاية الهاشمية، ثابتة لا تمسها أي تغييرات، بل تسعى الهيكلة الجديدة إلى توفير الأدوات والقدرات التي تضمن أداء هذه المهمة المقدسة بكفاءة واقتدار. 

اقرأ المزيد.. الملك يوجه بتحديث الجيش الأردني خلال ثلاث سنوات

شخصيات ذكرت في هذا المقال
00:00:00