أكد الملك عبد الله الثاني على رفض الأردن التام لأي قرارات إسرائيلية تنتهك الحقوق الفلسطينية، مشددا على دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة على
إلغاء القانون الأردني يمهد لضم 60% من الضفة الغربية
حذر الخبير العسكري والمحلل السياسي، العقيد المتقاعد محمد المقابلة من التداعيات الخطيرة لقرار إسرائيلي مؤخرا، يستهدف إلغاء العمل بالقانون الأردني المنظم لملكية الأراضي في الضفة الغربية معتبرا أن القرار يشكل حلقة متقدمة في مشروع الضم الزاحف، ويستهدف الجغرافيا الفلسطينية تمهيدا لتفريغها ديمغرافيا، ضمن مخطط استراتيجي قديم يقوم على القضم التدريجي للأرض بعيدا عن الضم العسكري المباشر.
العقلية الصهيونية واستراتيجية "القضم التدريجي"
وأوضح المقابلة في حديثه لـ حسنى أن المشروع الصهيوني لا يقوم على الضم الفوري الشامل، بل على استراتيجية بعيدة المدى تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين وضع هنري كيسنجر لبن غوريون قاعدة استراتيجية مفادها: "لا تبتلع ما لا تستطيع هضمه"، أي تجزئة الأرض الكبيرة وابتلاعها تدريجيا.
وبين أن هذه الاستراتيجية ما زالت حاضرة في العقلية السياسية والأمنية الإسرائيلية، وتنفذ اليوم بأساليب ناعمة تعتمد على التحايل القانوني لا القوة العسكرية.
وعي الدولة الأردنية المبكر بالمخطط الإسرائيلي
أكد المقابلة أن الأردن، بقيادته الهاشمية وأجهزته، كان من أوائل الدول التي تنبهت مبكرا لمخطط الضم الخفي للضفة الغربية، حتى قبل كثير من الدول العربية، مشيرا إلى أن هذا الوعي ترجم عمليا بإجراءات قانونية صارمة منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي.
وأضاف أن التشكيك التاريخي بالموقف الأردني تجاه فلسطين تجاهل حقيقة أن الأردن تصرف كدولة ذات رؤية استراتيجية، لا كرد فعل آني أو عاطفي.
قانون عام 1953: سد الباب أمام التسلل الصهيوني على أراضي الضفة الغربية
استعرض المقابلة قانونا أردنيا صدر عام 1953، يمنع أي شخص غير أردني –طبيعيا كان أو معنويا– من تملك أو استئجار أو شراء أراض أو عقارات في المملكة، بما فيها الضفة الغربية، إلا بموافقة خطية مسبقة من مجلس الوزراء.
وأوضح أن القانون لم يذكر "اليهود" صراحة، بل استخدم توصيف "غير أردني"، في دلالة قانونية ذكية تمنع التحايل، خصوصا عبر الواجهات والشركات الأجنبية، مشيرا إلى أن هذا التشريع استهدف منع السيطرة الصهيونية الناعمة عبر شراء الأراضي بدل احتلالها عسكريا.
تضييق الاستثناءات ومنع استخدام الدبلوماسيين كواجهات
لفت المقابلة إلى أن القانون ذاته وضع استثناءات شديدة الضبط، شملت حتى الدبلوماسيين، حيث حددت مساحات السكن المسموح بها لهم بدقة، منعا لاستخدامهم كواجهات لشراء مساحات واسعة تخدم المشروع الصهيوني، في ما وصفه بدليل على "الذكاء التشريعي" للمشرع الأردني آنذاك.
قانون 1973: بيع الأرض للعدو جريمة أمن دولة
أشار المقابلة إلى أن الأردن، وبعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، لم يتخل عن مسؤوليته القانونية والأخلاقية، فأصدر عام 1973 قانونا أكثر صرامة تحت عنوان "منع بيع العقارات للعدو".
وبين أن القانون عرف "العدو" صراحة بأنه كل من يحمل الجنسية الإسرائيلية أو يقيم في "إسرائيل" أو يعمل لحسابها، واعتبر أي بيع عقار له –مباشر أو غير مباشر– باطلا بطلانا مطلقا، وتؤول ملكية الأرض إلى خزينة الدولة.
وأوضح أن المادة الرابعة من القانون اعتبرت هذا الفعل جريمة تمس أمن الدولة، وعاقبت مرتكبها بالإعدام، في سابقة تشريعية تعكس حجم إدراك الأردن لخطورة التسلل الصهيوني عبر الملكية.
كيف جردت فلسطين من غطائها السيادي؟
انتقد المقابلة بشدة القرارات العربية والفلسطينية التي أدت -بحسب وصفه- إلى تجريد القضية الفلسطينية من مظلتها السيادية، ولا سيما قرار عام 1974 الذي أفضى إلى عزل الأردن عن دوره في الضفة الغربية.
وأكد أن الأردن لم يكن يسعى إلى التوسع أو الضم، بل إلى حماية الأرض والمقدسات، محذرا من أن إخراج فلسطين من إطار السيادة القانونية لدولة معترف بها دوليا تركها مكشوفة أمام الاحتلال.
أوسلو: التمهيد القانوني للضم الحالي
اعتبر المقابلة أن اتفاقية أوسلو عام 1993 شكلت نقطة الانكسار الأخطر، إذ قسمت الأرض الفلسطينية بطريقة سمحت "لإسرائيل" بالسيطرة الإدارية والأمنية على نحو 60% من الضفة الغربية مناطق "ج".
وأوضح أن القرار الإسرائيلي الأخير يستهدف هذه المناطق تحديدا، لأنها قليلة الكثافة السكانية، ما يجعل مصادرتها أسهل دون صدام ديمغرافي، في إطار استهداف الجغرافيا لا السكان.
إلغاء القانون الأردني: بوابة مصادرة الأراضي
بين المقابلة أن إلغاء العمل بالقانون الأردني يمنح "إسرائيل" غطاء قانونيا –لا سياسيا فقط- لمصادرة أراض واسعة، خاصة تلك غير المسجلة رسميا "دون طابو"، أو التي تعود لأصحاب هُجروا أو استشهدوا أو لم يكملوا إجراءات التسجيل بفعل الاحتلال.
وأضاف أن "إسرائيل" ستتعامل مع هذه الأراضي بوصفها "أراضي دولة"، تمهيدا لبيعها لاحقا للمستوطنين، بما يفضي عمليا إلى فقدان نحو 60% من أراضي مناطق "ج".
تهجير ناعم وتضييق ديمغرافي
حذر المقابلة من أن ضم الجغرافيا سيؤدي حتما إلى خنق الكتل السكانية الفلسطينية، ويدفعها إلى الهجرة القسرية أو الناعمة، معتبرا أن ما يجري هو تنفيذ عملي لمشروع الوطن البديل ونقل الأزمة إلى دول الجوار، وعلى رأسها الأردن.
الحراك الأردني والتصعيد المرتقب
أشاد المقابلة بالحراك السياسي الأردني الأخير، مشيرا إلى أن إدانة القرار الإسرائيلي صدرت هذه المرة عن الملك شخصيا، لا عبر وزارة الخارجية فقط، في دلالة على خطورة المرحلة.
وأكد أن الأردن لن يكتفي بالإدانة، بل يتجه نحو خطوات تصعيدية تشمل التدويل والتحرك في مجلس الأمن، وحشد موقف إقليمي ودولي، كما ظهر في البيان المشترك الذي ضم عدة دول عربية وإسلامية.
مسؤولية السلطة الفلسطينية والتحرك المطلوب
شدد المقابلة على أن العبء الأكبر يجب أن تتحمله السلطة الفلسطينية، معتبرا أن الاكتفاء بالبيانات يشكل تواطؤا سياسيا. ودعا السلطة إلى اتخاذ خطوات عملية، أبرزها إعلان بطلان الترتيبات المتعلقة بمناطق "ج" في أوسلو، وإعادة توصيفها كأراض محتلة يتحمل الاحتلال مسؤوليتها القانونية.
أكد المقابلة أن ضياع فلسطين لم يكن سببه الأردن، بل قرارات عربية وفلسطينية خاطئة، محذرا من تحميل الأردن ما يفوق طاقته في ظل واقع إقليمي هش، رغم تمسكه التاريخي بدوره وعدم تخليه عن القضية.
يشار إلى أن وزراء خارجية الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وقطر ومصر، أدانوا في بيان مشترك، أمس الإثنين، استمرار السياسات الإسرائيلية التوسعية والإجراءات غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدين أن هذه الممارسات من شأنها تأجيج العنف وتوسيع دائرة الصراع في المنطقة، وترسيخ الاستيطان، وخلق واقع قانوني وإداري جديد يسرع الضم غير القانوني ويقود إلى تهجير الشعب الفلسطيني، مؤكدين، في بيان نشرته وزارة الخارجية الأردنية، أنه لا سيادة "لإسرائيل" على الأرض الفلسطينية المحتلة.
اقرأ المزيد.. الأردن و7 دول عربية وإسلامية يدينون الإجراءات الإسرائيلية
ويأتي هذا التحذير بالتزامن مع تقدم فلسطين بطلب عاجل لعقد دورة غير عادية لمجلس جامعة الدول العربية، لبحث سبل التحرك العربي والدولي لمواجهة القرارات الأخيرة التي اتخذتها حكومة الاحتلال، بعد أن صادق الكابينت الأمني-السياسي الإسرائيلي، الأحد، على حزمة قرارات دفع بها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن يسرائيل كاتس، تهدف إلى تعميق الضم الفعلي لأجزاء من الضفة الغربية، ولا سيما عبر تعديل أنظمة الأراضي والشراء بما يتيح هدم مبان فلسطينية حتى في مناطق "أ".