بين التدين القيمي والتدين المغشوش

الصورة
مسجد خلال غروب الشمس | تعبيرية freepik
مسجد خلال غروب الشمس | تعبيرية freepik
آخر تحديث

مر الدين الإسلامي منذ أن بشر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بثلاثة أنماط من التدين: وهي التدين القيمي، والتدين الشعائري، والتدين الاجتماعي.

التدين القيمي

هذا النمط من التدين الذي تعبّد به الرسول الكريم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم؛ حيث تحولت القيم الإسلامية والإنسانية العليا إلى سلوك إنساني راق، فالرسالة المحمدية جاءت لتتمم مكارم الأخلاق، فشملت ضمن تعليمها كل فضيلة عرفها المجتمع قبل أن تتنزل رسالة الإسلام. 

هذا النوع من التدين انعكس واقعا معاشا في حياة أصحاب النبي الكريم والمجتمع المسلم؛ فرأينا كيف أثمر هذا التدين الأصيل في تواضع أبي بكر ولينه، وعدل عمر وحزمه وشفافيته، وإنفاق عثمان، وتضحية علي رضي الله عنهم أجمعين. ورأينا كيف بكى عمر عندما قال لأبي عبيدة: "كل الناس غيرتهم الدنيا إلا أنت يا أبا عبيدة" وكانت من أبرز تجلياته مقولة سيدنا عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرا". 

هذا الفهم للتدين هو الذي جعل من المسلم فاعلا حضاريا، يدفع من يعتنقه ليكون لبنة صالحة في بناء مجتمع فاضل، يسهم في إقامة حضارة إنسانية عظيمة. وقد شكل هذا النمط دافعا معنويا كبيرا دفع المسلمين لبناء حضارات ودول كانت تقوى وتضعف بقدر تمسكها به أو ابتعادها عنه.

التدين الشعائري

هذا النمط من التدين استمر بعد الخلافة الراشدة في كثير من الممالك الإسلامية؛ حيث جرى تضخيم الشعائر التعبدية والاستغراق فيها، وانتشر التصوف لكنه كان تدينا زهد بعض أصحابه في القيم العليا. فرأينا نماذج كان الخليفة فيها يظلم الرعية، يقيم مجالس اللهو، ويضيع المال العام، ويشتري الجواري، وينفق على الشعراء لكنه في الوقت ذاته كان يصلي بالناس، ويحج كل عام، ويبكي إذا ذكّره الواعظ حتى تبتل لحيته. 

برزت نماذج ابتعدت عن هذا اللون من التدين، إذ نجحت بعض التجارب في التحرر من هذا التدين الطقوسي والعودة إلى التدين القيمي، مثل نموذج الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، لكنه نموذج سرعان ما انحسر أمام مد التدين الطقوسي أو التدين التعبدي. 

تنبه الدعاة في العصر الحديث، وعلى رأسهم الإمام حسن البنا، إلى ضرورة إعادة الإسلام إلى التدين القيمي، وجعل العبادات وممارسة الشعائر مكتملة بتبني القيم العليا لرسالة الإسلام وعيشها. لكن الخرق كان أكبر من الرتق ولم تحقق هذه المحاولة الأثر الكبير، كما ظهرت حركات وطوائف معاكسة تعزز التدين الطقوسي باعتباره سبيل النجاة الأقصر والأسهل إلى الجنة، فبقي هذا النمط مسيطرا حتى نهاية القرن الماضي.

التدين الاجتماعي

هذا النمط من التدين بدأ يطفو على السطح بعد عام 2000م مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي؛ فظهر ما يمكن تسميته بالتدين الاجتماعي. فتجد المسلم يختزل تدينه في التعصب لطائفته أو مذهبه، ويحتفل بالعبادات ذات الطابع الاجتماعي كالصوم، بينما يهجر العبادات الفردية ويزهد فيها كالصلاة مثلا، وكما طفا على السطح التدين الإلكتروني المنفصل عن الواقع فتجد الفضيلة تغرق العالم الافتراضي، لكنك تفتقدها في الواقع المعاش، وكما ظهر الاهتمام بتقديس الرموز الدينية كوضع الأهلة على البيوت أو المتاجر ومراكز العمل، أو ارتداء الرموز الدينية مثل وضع آية الكرسي أو المصحف للزينة في العنق أو على المكتب أو في السيارة، أو تعليقها جدارية على الحائط. وأصبح التدين الاجتماعي المغشوش أحيانا دافعا لممارسة الكراهية اتجاه الآخرين. 

لكي يكون الإسلام دينا فاعلا حضاريا يسهم في بناء الحضارة ونهضة الشعوب، لا بد من العودة إلى التدين القيمي؛ تدين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبته الكرام؛ تدين المثل العليا، وتدين مكارم الأخلاق (كالعدالة الاجتماعية، ورفض الظلم، والصدق، والأمانة، والإخلاص في العمل، وأداء الحقوق، والتعفف في المال العام) عندها يعود الدين ليشكل محركا حضاريا مهما من المحركات الحضارية لأمة طال نكوصها. 

إن تدين الشعائر على فضلها وضرورتها فهو نمط قد ينجي صاحبه "الخلاص الفردي"، لكنه لا يجعل من الدين محركا للاستخلاف والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، وأما التدين الاجتماعي فهو تدين مغشوش خطير، يتنافى في كثير من جوانبه مع رسالة الإسلام والغاية التي جاء ليبشر به وينمي ظاهرة النفاق والاستعلاء الفارغ.

دلالات
الأكثر قراءة
00:00:00