عقيد متقاعد من القوات المسلحة - الجيش العربي
قرار انضمام الأردن إلى مجلس السلام.. اختيار أم اضطرار؟
كثير من المحللين أو المبررين أو الهاوين سيذهبون باتجاه تبرير وتحليل قرار انضمام الأردن إلى مجلس السلام المزعوم باتجاه أن الأردن اتخذ هذا القرار مضطرا لا مختارا، وأن مصلحة الأردن المرتبطة بقدراته الاقتصادية والسياسية لا تسمح له بالاختيار الطوعي أو تمكنه من قول "لا" لترامب وإدارته الصهيو-مسيحية التي تتغول على العالم كله. وهذا والله إساءة كبيرة لهذا الوطن.
وبالتالي فإن الأردن مضطر إلى اتخاذ قرار الموافقة والقبول بهذا المجلس الذي لا يؤمن به الشعب الأردني ولا يثق به بأغلبيته.
وهذا أيضا يعني أن الحكومة الأردنية تتصادم مع الرأي العام والموقف الشعبي للدولة الأردنية.
قرار الأردن صائب وسديد
وهنا أقول وبكل حيادية قائمة على فهمي وعلمي بالمقتضيات والاختلافات بين مفهومي "القرار وصنع القرار" والذي تتحمل الحكومة والمعارضة مسؤولية التصادم دون التفاهم في مرحلة سياسية فاصلة وحاسمة للمنطقة العربية عامة والأردن خاصة. فأقول وبإيجاز شديد:
إن قرار الحكومة الأردنية بالموافقة على الانضمام إلى مجلس ترامب للسلام قرار صائب وسديد في ظل معطيات سياسية وأمنية لا تخفى حتى على الرضيع في السياسة وموازينها. ولكن أخطأت الحكومة الأردنية خطأ كبيرا في طريقة "صنع القرار" وهي الخطوة المهمة والسابقة لخطوة اتخاذ القرار.
إن القرارات الحساسة والتي من الممكن أن تتصادم مع بعض القيم أو مع الرأي العام للشعب، والتي أيضا تمس مخاوف مشروعة لدى عامة الناس لا يجوز بحال من الأحوال أن تتخذها السلطة التنفيذية أو الحاكم أو أركان الدولة العميقة في غرفة مغلفة وبمعزل عن باقي مكونات الدولة الديمقراطية ودون التفات إلى أدوات القوة الأخرى في الدولة والقادرة على توجيه الخطاب السياسي والواقعي والتي تمثل في مجموعها شرعية للقرار أقوى من شرعية القرار المنفرد للسلطة التنفيذية في الدولة. وهذا ما يسمى بعلم التخطيط الاستراتيجي "رسم السيناريوهات".
نعم لقد أخطأت الحكومة بعدم الاجتماع مع أدوات الدولة من أحزاب ونقابات وشخصيات وطنية وازنة خلال الوقت المتاح لها -رغم قصره- واطلاعهم على السيناريوهات المرسومة لكل اختيار أمام الدولة، وما هي البدائل والنتائج لكل سيناريو. وكان على الحكومة أن تتنازل عن عنادها وتعاليها على هذه الخطوة التي لو تمت لكانت كفيلة بإنتاج القرار نفسه الذي تريده الدولة والنظام والحكومة، ولكن دون إضرار وصدام وتنازع وتشكيك يؤدي إلى التجافي والانقسام في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى صنع الثقة وإشراك الجميع وإشعار الشعب بدوره وحجم مسؤوليته في هذا الوطن.
إن هذا الوطن للجميع في السراء والضراء وليس لفئة خاصة أصبح بينها وبين الرأي العام فج عميق، وكلما تكلمت أو بررت زاد الفج عمقا وبعدا.
6 حقائق تثبت أن قرار انضمام الأردن إلى مجلس الأمن ليس اضطرارا
وأما قولي أن الحكومة أصابت في قرارها ولم تكن مضطرة بل كانت مختارة حرة لأننا دولة مستقلة ذات سيادة رغما عن أنوف الكارهين، فانني أعزي تحليلي هذا إلى الحقائق التالية:
-
أولا: سبق للأردن وفي عهد الرئيس الأمريكي ترامب نفسه أن رفض رفضا صريحا خطة ترامب المسماة "صفقة القرن"، ولم يكن حينها أحد في ظهر الأردن كداعم استراتيجي للخيار الأردني؛ فقد كان الأردن وحيدا حينها. وكان موقف الأردن وقراره أردني بامتياز ومبني على مصلحة الأردن أولا بغض النظر عن النتائج المترتبة على ذلك القرار ودون خوف أو وجل من ترامب وعصبته.
-
ثانيا: علينا أن ندرك أن القرار الأردني بالموافقة على الانضمام إلى مجلس السلام المزعوم هو قرار "حلف غير معلن" وليس قرار أردني منفرد؛ وهذا بعد استراتيجي يغيب عن كثيرين. وهذا الحلف هو أقدر على المواجهة والمناورة أمام مخططات ترامب-نتنياهو، وأكثر أثرا من مواجهة أردنية فردية.
وهذا الحلف هو حلف تركيا والسعودية وقطر ومصر، فأنا أزعم لو أن هذه الدول رفضت الانضمام لرفضه الأردن أيضا، ولكن من مصلحة الأردن أن يكون جزءا مؤثرا من داخل هذا الحلف، وليس من داخل مجلس السلام المزعوم.
فالأردن لو انضم منفردا إلى المجلس لكان ضعيفا في مواجهة القرارات، ولقلنا حينها أن الأردن أخطأ بالانضمام. ولو رفض الأردن الانضمام لصار الأمن القومي الأردني بيد غيرنا من العرب والعجم، ولقلنا حينها مقالة كارني:
"فعلا إذا لم تكن على طاولة الطعام فأنت إذن على قائمة الطعام".
-
ثالثا: علينا أن ندرك أن تركيا والسعودية وقطر من داخل مجلس ترامب للسلام قادرون على إعاقة كثير من المخططات التي تمس الأمن القومي للمنطقة العربية والتركية، وبالتالي وجود الأردن يكون ضامنا للأمن القومي الأردني ضمن هذا الحلف داخل مجلس السلام.
-
رابعا: إن مجلس ترامب للسلام المزعوم مصيره الفشل؛ فقد ولد خداجا غير قادر على الحراك العسكري والسياسي لأسباب كثيرة؛ منها الموقف الأوروبي والموقف الصيني والعناد الروسي، وكذلك الموقف السياسي والاقتصادي السعودي الرافض والخائف من ضربة عسكرية لإيران، وهذا ما يريده نتنياهو، وكذلك الموقف التركي القادر على مواجهة نتنياهو في داخل المجلس والحريص على وحدة سوريا وأمنها حرصا لا يشك فيه، وموقف مصر وقطر الرافض للتهجير. وهذه كلها هي الأهداف والمخاوف الأردنية نفسها. وبوجود الأردن داخل المجلس نضمن أننا على طاولة الطعام ولسنا على قائمة المأكولات.
-
خامسا: هذا المجلس سينتهي من داخله وليس من خارجه في المدى المنظور، وهذا الحلف العربي التركي الذي يملك القوة الاقتصادية والعسكرية قادر على إفشال هذا المجلس من داخله؛ إما بالانسحاب أو الإصرار على مواقفه. وحقيقة من الرائع جدا أن نكون من ضمن هذا الحلف الذي كنا نبحث عنه منذ زمن ليس ببعيد.
-
أخيرا: بكل راحة نفس وطمأنينة بال أقول:
أصابت الدولة الأردنية بالقرار، ولكنها أخطأت بصنع القرار.
فهذا القرار يحتاج إلى مخططين واستراتيجيين يعرفون كيف يرصون الصفوف ويجمعون القلوب ويوحدون الرؤيا الاستراتيجية للوطن.