قانوني، كاتب
ماذا لو تم حل حزب جبهة العمل الإسلامي؟
يعد الحديث عن حل حزب جبهة العمل الإسلامي من أكثر القضايا الساخنة تداولا بين المهتمين بالشأن السياسي الأردني. وما يعزز فرضية هذا الخيار وجود "مقومات موضوعية" على أرض الواقع؛ بدءا من المداهمات التي طالت مقرات الحزب، والتي أُعلن على إثرها عن وجود تداخل بين أعمال الحزب و"جماعة الإخوان المسلمين" التي صدر قرار قضائي بحلها منذ عام 2020، وقرار إداري آخر بحظرها من وزير الداخلية في نيسان الماضي.
علاوة على ذلك، برز الأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأمريكي لمباشرة إجراءات تصنيف جماعة الإخوان في الأردن "جماعة إرهابية" في تشرين الثاني الماضي. ومن المتوقع في الأيام القادمة صدور تقرير من وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين لتطبيق هذه الإجراءات. وفي حال تم التصنيف، فإن هذا الإجراء والتصنيف سيطال أحزابا وأشخاصا وقيادات وجمعيات مرتبطة بالجماعة.
وفي حال صدور هذا التقرير واستهدافه للجماعة في الأردن، سيكون حزب جبهة العمل الإسلامي "الذراع السياسي للجماعة" في وضع سياسي وقانوني لا يحسد عليه، مما قد يدفع الهيئة المستقلة للانتخابات إلى تحريك ملف الحزب أمام القضاء لحله، بدعوى مخالفته أحكام قانون الأحزاب، وفقا للمخالفات المرصودة في المدة الماضية.
بلا شك، فإن حل حزب جبهة العمل الإسلامي سينعكس بشكل جذري على الحياة السياسية الأردنية، خاصة مع وجود 17 نائبا للحزب فازوا عبر القوائم الحزبية، والذين سيفقدون عضويتهم في المجلس الحالي في حال الحل. وإن كنت أرجح شخصيا أنه في حال حسمت الدولة قرار التوجه لحل الحزب، فإن الأمر سيحتاج إلى سجال قانوني وقضائي قد يمتد حتى نهاية عمر المجلس الحالي، وهو ما قد يحافظ على شرعية المجلس واستمراريته، تجنبا للذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة التي تعني استحقاقات سياسية كبيرة وتحولا في تركيبة المجلس القادم.
السؤال الجوهري: ماذا بعد حل حزب جبهة العمل الإسلامي
تذهب بعض القراءات إلى أنه لن يسمح للحزب ولا للجماعة بإقامة أي تنظيم سياسي جديد بأسماء أو أنظمة داخلية مستحدثة، بل سيتم الرهان فقط على تمثيل "اليمين الإسلامي" من خلال "الحزب الوطني الإسلامي". والمؤشرات على ذلك تظهر في التضييق الذي طال محاولات أخرى، مثل عدم السماح لـ"حزب الشراكة والإنقاذ" باستكمال إجراءات تأسيسه، واستهداف رموزه، بالإضافة إلى إحباط محاولات الانشقاق داخل الحزب الوطني الإسلامي نفسه، ومحاصرة وإحباط جهود شخصيات سياسية إسلامية جادة ووازنة لتأسيس أحزاب إسلامية وطنية محافظة ومؤثرة.
إن الاعتقاد بأن "الحزب الوطني الإسلامي" قادر بمفرده على إشغال هذه المساحة "مساحة اليمين الإسلامي" هو تصور يفتقر للتشخيص السليم. فحظر جبهة العمل الإسلامي ومنع أي بديل سياسي جاد يمثل "اليمين الوطني الإسلامي الراشد"، سيؤدي بالضرورة إلى إلحاق ضرر بالغ بمسيرة "التحديث السياسي" التي دعمها الملك لبناء مملكة ديمقراطية حديثة.
هذا الرهان الخاطئ سوف يدفع حتما القاعدة الانتخابية العريضة لليمين الإسلامي نحو اعتزال الحياة السياسية والتيئيس منها، هذه الدعوات سوف تلقى استجابة شعبية كبيرة خاصة في ظل مناخ اقتصادي خانق يعاني فيه المواطن الأردني الكثير، وهو ما سيصيب مشروع التحديث السياسي في مقتل.
الحزب الوطني الإسلامي -نتاج اندماج حزبي زمزم والوسط الإسلامي- فقد الكثير من عناصر تأثيره بعد مغادرة واعتزال بعض الشخصيات الإسلامية القوية له، كما أن العمل الذي جرى على إعادة تصدير هوية "حزب الوسط الإسلامي" -بخطابه السابق- إلى واجهة الحزب الوطني الإسلامي، قد أعاد الحزب الوطني الإسلامي إلى المربع ذاته الذي كان يعاني منه "الوسط الإسلامي" قديما، فلا يمكن لمن يستخدم الأدوات ذاتها والأشخاص نفسهم والخطاب عينه أن يتوقع نتائج مختلفة.
قد يُحل حزب جبهة العمل الإسلامي، لكن هذا الحل سوف يترك أثرا سلبيا على المزاج العام أو على مصداقية التحديث السياسي، ما لم يتم فتح الباب أمام الشخصيات الإسلامية الوطنية المقدرة لإعادة تشكيل نفسها في أحزاب جديدة بعيدا عن كل إشكاليات المرحلة الماضية.
إن رفع العراقيل من أمام تأسيس أحزاب "يمينية إسلامية مدنية محافظة" تبحث عن مساحة لها في الساحة السياسية، هو السبيل الوحيد لبناء وطن قوي ومنيع سياسيا، وفقا لرؤية الملك والنجاة من إرهاصات المرحلة الحالية وإشكالياتها التي تعصف بالحالة السياسية الأردنية، تزامنا مع المئوية الثانية للدولة التي يبحث شعبها عن "خلاص" في ديمقراطية حقيقية وكاملة تكون النواة الأولى لحالة نهوض وطني شامل.