تدخل دولة الاحتلال انتخابات الكنيست المقبلة في السابع والعشرين من تشرين الأول، وسط أزمات داخلية تراكمت بفعل الحرب وتداعياتها الاقتصادية
انتخابات الكنيست 26: ما بعد الصندوق.. الأردن وفلسطين أمام مرحلة حساسة
مع اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، تتجه المنافسة إلى مرحلة ما بعد صناديق الاقتراع، حيث لا يبدو حسم تشكيل الحكومة ممكنا من دون ائتلافات وشراكات بين عدد من القوى السياسية، في ظل عدم امتلاك أي من المعسكرات أغلبية واضحة من 61 مقعدا.
لكن معركة تشكيل الحكومة لن تتوقف عند توزيع المقاعد، إذ ستحدد طبيعة الائتلاف المقبل وموازين القوى داخله هامش الحركة في ملفات غزة والضفة الغربية والقدس، كما ستنعكس على علاقة حكومة الاحتلال بالأردن والولايات المتحدة والمنطقة.
معركة الـ61 مقعدا: من يملك مفاتيح الحكومة؟
تظهر الخريطة الانتخابية منافسة متقاربة بين الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو وحزب "يشار" بزعامة غادي آيزنكوت، إلى جانب أحزاب وكتل أخرى يمكن أن تتحول إلى شركاء حاسمين في أي ائتلاف مقبل.
وتشير الاستطلاعات المنشورة في أيلول إلى تباين في توزيع المقاعد بين الأحزاب، لكن القاسم المشترك بينها هو عدم امتلاك أي معسكر أغلبية مستقلة من 61 مقعدا، ما يبقي تشكيل الحكومة مرتبطا بالمفاوضات التي ستبدأ بعد إعلان النتائج.
وهنا لا تكمن أهمية الرقم 61 في كونه عتبة تشكيل الحكومة فقط، بل في كونه مدخلا لمعركة أخرى:
من يمتلك القدرة على فرض شروطه داخل الائتلاف؟ ومن يملك القدرة على تعطيل قرارات لا تتوافق مع أجندته؟
فكلما اتسعت الحاجة إلى شركاء متعددين، ازدادت أهمية الاتفاقات الائتلافية وتوزيع الوزارات والصلاحيات، وأصبح هامش حركة رئيس الحكومة مرتبطا بالتوازنات الداخلية وليس بعدد المقاعد وحده.
الأحزاب العربية: بين المشاركة والتأثير في انتخابات الكنيست
يمثل الصوت العربي أحد العوامل التي قد تكتسب أهمية إضافية في حال بقيت الكتل الصهيونية دون أغلبية واضحة، لكن تأثير الأحزاب العربية لا يرتبط بعدد المقاعد فقط، بل بموقفها من المشاركة في الحكومة أو دعمها من خارج الائتلاف وشروط هذا الدعم.
وتطرح القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس نموذجا سياسيا يقوم على إمكانية المشاركة في الائتلافات مقابل تحقيق مطالب مدنية تتعلق بالميزانيات ومكافحة الجريمة وتحسين الخدمات، فيما تتبنى قوى عربية أخرى، مثل الجبهة، مقاربة ترفض الانضمام إلى ائتلافات تقوم على أساس صهيوني، وتؤكد البعد الوطني والسياسي للقضية الفلسطينية.
وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الخريطة العربية لا يقتصر على عدد المقاعد التي يمكن أن تحصل عليها هذه القوائم، وإنما يمتد إلى كيفية توظيفها في عملية تشكيل الحكومة، وما إذا كان صوتها سيؤثر في تركيبتها أو سيبقى خارجها مع تقديم دعم مشروط لبعض القرارات.
لكن هذا الدور يواجه حدودا سياسية داخل الخريطة الحزبية اليهودية، في ظل رفض قطاعات واسعة من الجمهور اليهودي لفكرة مشاركة حزب عربي في الحكومة، واستمرار استخدام مسألة التعاون مع الأحزاب العربية في الخطاب الانتخابي للمعسكرات المتنافسة.
الحريديم واليمين الديني: شركاء بشروط
في المقابل، تحتفظ الأحزاب الحريدية والدينية بموقع مهم في حسابات تشكيل الائتلاف، خصوصا في ظل الخلاف المستمر حول تجنيد الحريديم للخدمة العسكرية، وتمويل المؤسسات الدينية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية.
ولا يمثل ملف التجنيد مجرد خلاف داخلي محدود، بل يمكن أن يتحول إلى اختبار مبكر لاستقرار أي ائتلاف مقبل، فالمحكمة العليا تضغط باتجاه تطبيق التجنيد، بينما تتمسك الأحزاب الحريدية بمواقفها الرافضة للخدمة الإلزامية الواسعة، في وقت يربط فيه جزء من الأحزاب العلمانية والدينية القومية بين استمرار الإعفاءات ومبدأ تقاسم أعباء الخدمة.
وهذا يعني أن تشكيل حكومة يمينية ضيقة قد يصطدم بمطالب الحريديم من جهة وضغوط الأحزاب الأخرى من جهة ثانية، فيما قد يواجه ائتلاف أوسع المشكلة نفسها بصيغة مختلفة، ولذلك، فإن الاتفاق على آلية التجنيد سيكون أحد الاختبارات المبكرة لقدرة الحكومة المقبلة على الحفاظ على تماسكها.
ولا يقتصر تأثير الأحزاب الحريدية والدينية على الملف الداخلي، إذ يرتبط موقع أحزاب اليمين الديني أيضا بملفات الاستيطان والضم والسياسة تجاه الضفة الغربية، ما يجعل دخولها في أي ائتلاف مرتبطا بجملة من المطالب السياسية والتشريعية.
وقد عزز بتسلئيل سموتريتش، خلال وجوده في الحكومة، حضور البعد المدني في إدارة ملفات الاستيطان والأراضي، مع نقل صلاحيات مرتبطة بالإدارة المدنية وشؤون الاستيطان إلى أطر مدنية تحت مسؤوليته، في خطوة أثارت نقاشا واسعا حول مسار الضم الفعلي في الضفة الغربية.
ومن هنا، فإن وزن هذه الأحزاب بعد انتخابات الكنيست لن يقاس بعدد مقاعدها فقط، وإنما بما تحصل عليه من مواقع وصلاحيات داخل الحكومة، وبقدرتها على تحويل مطالبها السياسية إلى قرارات تنفيذية.
غزة: الحكومة المقبلة أمام ملف مفتوح
ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام ملف غزة باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدا، ليس فقط من زاوية استمرار العمليات العسكرية، وإنما من حيث شكل الإدارة المستقبلية للقطاع، والترتيبات الأمنية، وإعادة الإعمار، والوجود العسكري، ومستقبل السيطرة على المعابر والمناطق الحدودية.
وتظهر فروق بين القوى السياسية بشأن شكل المرحلة التالية. فالقوى الأكثر يمينية تدفع باتجاه ترتيبات ميدانية طويلة الأمد، وترفض العودة إلى ترتيبات سياسية تعتبرها تنازلا أمنيا، فيما تركز قوى أخرى على إعادة تنظيم الحرب وإنهائها وفق ترتيبات أمنية تضمن استمرار حرية العمل العسكري.
ويبرز كذلك الخلاف حول إعادة الاستيطان في قطاع غزة؛ إذ تدفع قوى في اليمين الديني باتجاه إعادة المستوطنات، بينما تعارض قوى من الوسط ويمين الوسط هذا الخيار، لأسباب تتصل بالحسابات الأمنية والسياسية والعلاقة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
لكن السياسة التي ستنفذها الحكومة لن تتحدد داخل الائتلاف وحده؛ فالعلاقة مع واشنطن ستكون أحد العوامل المؤثرة في هامش الحركة، خصوصا في الملفات التي تتطلب غطاء أو تفاهما أمريكيا، مثل ترتيبات غزة، وإعادة الإعمار، والاستيطان، ومستقبل العمليات العسكرية.
وعليه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما تريده الأحزاب، وإنما أيضا بما يمكن للحكومة تمريره سياسيا في ظل طبيعة العلاقة مع الإدارة الأمريكية، ومدى استعداد واشنطن لدعم أو تقييد خطوات ميدانية بعينها.
الضفة الغربية: الاستيطان والضم في قلب الاختبار
في الضفة الغربية، تتجه الحسابات إلى ملفات أكثر ارتباطا بالواقع الميداني، وفي مقدمتها الاستيطان، والسيطرة على الأراضي، والبؤر الاستيطانية، وصلاحيات الإدارة المدنية، ومستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية.
وتختلف القوى السياسية في مستوى الخطاب وأدوات التنفيذ، لكن مساحة الخلاف بين التيارات الصهيونية الرئيسية لا تعكس بالضرورة انتقالا إلى طرح سياسي يضع إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية في مقدمة أولوياته.
في أقصى اليمين، تبرز الدعوات إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية وتسريع الاستيطان وشرعنة البؤر، فيما تتبنى قوى أخرى مقاربة تقوم على استمرار السيطرة الأمنية وتقليص الاحتكاك المباشر وإدارة الواقع القائم دون الذهاب إلى إعلان ضم شامل.
وهنا تظهر أهمية تركيبة الحكومة؛ فدخول أحزاب اليمين الديني إلى مواقع وزارية مرتبطة بالضفة والاستيطان قد يمنحها قدرة أكبر على تحويل المطالب الأيديولوجية إلى سياسات إدارية وميدانية، بينما قد يؤدي ائتلاف أوسع إلى فرض قيود سياسية أكبر على سرعة هذه الخطوات، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرا جذريا في منظومة السيطرة القائمة.
كما سيكون الموقف الأمريكي عاملا إضافيا في تحديد هامش الحركة، خصوصا فيما يتعلق بخطوات الضم الرسمية أو توسيع المستوطنات، ما يجعل العلاقة مع واشنطن جزءا من الحسابات الداخلية للائتلاف وليس ملفا خارجيا منفصلا.
القدس: الوصاية والأقصى تثبيت الاحتلال وتغيير واقع المدينة
تبقى القدس في قلب السياسات التي تستهدف تثبيت الاحتلال وتغيير واقع المدينة، لا باعتبارها مجرد ملف حساس في العلاقة بين حكومة الاحتلال والأردن، وإنما باعتبارها مدينة محتلة تتعرض لسياسات متواصلة تستهدف تغيير واقعها الديموغرافي والجغرافي والديني، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.
وفي المسجد الأقصى، يتواصل الضغط على الوضع التاريخي والقانوني القائم من خلال الاقتحامات التي ينفذها المستوطنون، ومشاركة وزراء ومسؤولين في حكومة الاحتلال في بعضها، وفرض قيود على وصول المصلين الفلسطينيين، إلى جانب محاولات تكريس مظاهر الصلاة والطقوس اليهودية داخل ساحات المسجد. وفي المقابل، يواصل الأردن والجهات الدولية التأكيد على ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم والدور الخاص للأردن في رعاية المقدسات.
ولا ينفصل ما يجري في الأقصى عن مسار أوسع يستهدف الوجود الفلسطيني في القدس؛ فالمخططات الاستيطانية والتوسع العمراني للمستوطنات، إلى جانب هدم المنازل والإخلاءات والقيود على الحركة والإقامة، تدفع باتجاه تغيير تركيبة المدينة وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
وتبرز في هذا السياق مشاريع استيطانية استراتيجية، بينها E1 وجفعات همتوس وعطروت، بما يعزز التوسع الاستيطاني حول القدس ويعمل على قطع التواصل الجغرافي بين المدينة ومحيطها الفلسطيني في الضفة الغربية.
وفي مواجهة هذه السياسات، تمثل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية عنصرا أساسيا في الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، فيما تؤكد المواقف الأردنية والعربية والدولية رفض تغيير هوية القدس أو المساس بوضع المسجد الأقصى ومرجعيته.
ومن هنا، فإن الحكومة التي ستتشكل بعد انتخابات الكنيست لن تواجه ملف القدس بوصفه مجرد ملف دبلوماسي مع الأردن، بل أمام واقع ميداني تتسارع فيه سياسات الاستيطان وفرض الوقائع وتغيير المشهد في المدينة ومحيط المسجد الأقصى، وسيكون السؤال بالنسبة للفلسطينيين والأردن هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل هذه السياسات وتمنحها غطاء سياسيا وتنفيذيا أكبر، أم ستواجه قيودا ائتلافية ودولية تحد من بعض خطواتها.
ويبقى الموقف الأمريكي أحد العوامل المؤثرة في هامش حركة الحكومة المقبلة، إلى جانب المواقف الدولية والإقليمية، لكن جوهر القضية سيظل على الأرض: في المسجد الأقصى، وفي أحياء القدس، وفي المشاريع الاستيطانية، وفي قدرة الفلسطينيين على البقاء في مدينتهم والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
الأردن والمنطقة: اختبار العلاقة مع الحكومة المقبلة
بالنسبة إلى الأردن، لا تتوقف أهمية انتخابات الكنيست المقبلة عند هوية رئيس الحكومة أو تركيبة الائتلاف، بل تمتد إلى طبيعة السياسات التي ستتبناها الحكومة الجديدة، وقدرتها على إدارة ملفات تمس المصالح الأردنية بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الأمن الإقليمي، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والتطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتكتسب تركيبة الائتلاف أهمية خاصة، إذ إن دخول أحزاب دينية وقومية متشددة إلى الحكومة، أو امتلاكها قدرة أكبر على التأثير في القرار التنفيذي، قد يضع العلاقة الأردنية مع حكومة الاحتلال أمام ملفات أكثر حساسية، بينما قد تفرض حكومة أوسع تركيبتها السياسية وحساباتها الدولية على قراراتها هامشا مختلفا في إدارة هذه الملفات.
ولا تقتصر حسابات الأردن على العلاقة الثنائية، فالمشهد الإقليمي سيكون حاضرا في تشكيل مواقف الحكومة المقبلة، خصوصا فيما يتعلق بحرب الإبادة على غزة، والتطورات في الضفة الغربية، ومسارات التطبيع والترتيبات الأمنية والإقليمية، إلى جانب العلاقة مع الإدارة الأمريكية.
وفي هذا السياق، ستبقى القنوات السياسية والأمنية والاقتصادية قائمة بحكم طبيعة العلاقة بين البلدين، لكن مستوى التعاون أو التوتر سيظل مرتبطا بالسياسات التي ستتبعها الحكومة الجديدة، وبمدى اقترابها من مواقف الأحزاب الأكثر تشددا في الملفات التي تمس الأردن مباشرة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الحكومة المقبلة ستتحرك ضمن شبكة من العلاقات والضغوط الدولية، وفي مقدمتها العلاقة مع واشنطن، إلى جانب علاقاتها مع الدول العربية ومسارات إعادة ترتيب المنطقة، ومن هنا، فإن شكل الائتلاف الذي سيتولى الحكم لن يحدد فقط توزيع المناصب داخل الحكومة، وإنما سيحدد أيضا مساحة الحركة المتاحة أمامها في إدارة علاقاتها مع الأردن والمنطقة.
من تشكيل الائتلاف إلى صناعة القرار: ماذا سيتغير؟
النتيجة الانتخابية لا تقدم وحدها الإجابة عن شكل السياسة المقبلة، فبعد إعلان المقاعد تبدأ عملية أكثر تعقيدا:
-
مفاوضات تشكيل الحكومة.
-
صياغة الاتفاقات الائتلافية.
-
توزيع الوزارات.
-
تحديد الصلاحيات.
-
تثبيت الأولويات التي يمكن لكل شريك تمريرها.
ولهذا يمكن أن تختلف السياسة الفعلية لحكومة ذات قاعدة يمينية ضيقة عن سياسة ائتلاف أوسع، ليس بالضرورة بسبب اختلاف كامل في الرؤية تجاه الفلسطينيين، وإنما بسبب اختلاف موازين القوى داخل الحكومة وقدرة كل حزب على فرض شروطه.
| الملف |
ائتلاف يعتمد بدرجة أكبر على اليمين الديني (بقيادة الليكود واليمين الديني) |
ائتلاف أوسع يضم قوى وسط ويمين |
|---|---|---|
|
الضفة الغربية |
مساحة أكبر لمطالب الضم والاستيطان وتوسيع الصلاحيات المرتبطة بهما بشكل علني وشرعنة البؤر رسميا | قيود ائتلافية وسياسية بحيث يكون الضم زاحفا وهادئا تحت شعار "الانفصال الأمني" دون إعلان رسمي |
|
غزة |
نفوذ أكبر للقوى الداعية لإعادة الاستيطان وتقسيم القطاع |
مساحة أكبر لطرح ترتيبات أمنية وسياسية مختلفة ترفض الاستيطان لعدم الاصطدام بواشنطن، مع تكثيف التواجد الأمني |
|
القدس |
استمرار أولوية السيادة الإسرائيلية مع حضور أقوى للمطالب الدينية والقومية | استمرار الموقف الأساسي من القدس مع احتمال اختلاف أدوات الإدارة والخطاب |
|
الأردن |
احتمال ارتفاع مستوى الاحتكاك حول القدس والضفة والتهجير | مساحة أكبر للاحتواء الدبلوماسي وإدارة الخلافات |
|
الدولة الفلسطينية |
رفض واضح أو استبعاد من جانب اليمين | قد يتسع النقاش السياسي حولها، دون أن يعني ذلك تبني حل الدولتين |
|
العلاقة مع واشنطن |
احتمال اتساع الخلاف حول بعض خطوات الضفة والقدس والاستيطان | مساحة أكبر للموازنة بين مطالب الشركاء والاعتبارات الأمريكية |
وهكذا، فإن تشكيل الحكومة لا يمثل نهاية العملية الانتخابية، بل بداية مرحلة تحديد من يمتلك القرار داخلها، فالائتلافات لا تحدد فقط هوية رئيس الحكومة، وإنما تحدد كذلك من يمسك بالوزارات ذات الصلة بالأمن والاستيطان والقدس والاقتصاد والعلاقات الخارجية، ومن يستطيع تحويل مواقفه إلى سياسة عامة.
كما أن استقرار الائتلاف سيكون مرتبطا بقدرته على إدارة التناقضات الداخلية، وفي مقدمتها ملف تجنيد الحريديم، الذي يجمع بين قرار المحكمة العليا ومطالب المؤسسة العسكرية ومواقف الأحزاب الحريدية والقوى العلمانية والدينية القومية، وأي فشل في الوصول إلى صيغة قابلة للاستمرار قد يحول هذا الملف إلى أحد مبكرات الأزمات التي تهدد تماسك الحكومة.
ما بعد الصندوق: الاختبار على الأرض
وفي النهاية، لا ينظر الفلسطينيون والأردنيون إلى الحكومة التي ستولد من انتخابات الكنيست بوصفها شأنا داخليا لدولة الاحتلال، فقراراتها ستنعكس مباشرة على الأرض الفلسطينية، وعلى مستقبل القدس والضفة الغربية وغزة، وعلى أمن الأردن واستقراره.
وما سيحدد خطورة المرحلة المقبلة ليس اسم رئيس الحكومة وحده، بل القوى التي ستصنع ائتلافه، والشروط التي ستفرضها عليه، والاتجاه الذي ستدفع إليه قراراته.
فبالنسبة إلى الفلسطينيين، يتعلق الأمر بمستقبل وجودهم على أرضهم، وبما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل توسيع الاستيطان وفرض الوقائع والتهجير وتكريس السيطرة على الأرض، أم ستواجه قيودا سياسية ودولية تحد من هذه السياسات.
وبالنسبة إلى الأردن، فإن أي تغيير عميق في واقع الضفة الغربية أو القدس لن يبقى داخل حدود فلسطين، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الوطني الأردني، وعلى الحدود، وعلى مستقبل المنطقة.
ولهذا، فإن ما بعد الانتخابات لن يكون مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، بل مرحلة ستتحدد فيها حدود ما يمكن أن تفعله حكومة الاحتلال، وما يمكن أن يترتب على سياساتها بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يواجهون خطر تكريس الاحتلال والتهجير، والأردن الذي يجد أمنه ومصالحه مرتبطين مباشرة بما يجري على الجانب الآخر من حدوده.
اقرأ المزيد.. أزمات الاحتلال تصدعات تتجاوز الانتخابات