أكاديمي وصحفي مختص في الترجمة واللغات والأدب
حوار مع صديقي المانيكان
لا يزال الناس مختلفين في تاريخ صدورك كأول نسخة من المانيكان -التمثال الصغير- ومكان صدورك فمنهم من يقول في فرنسا ويقول آخرون بل في مصر القديمة، وأيا ما كان من أمر بدايتك أيها المانيكان فالمتفق عليه أنك استخدمت ولا تزال وسيلة لعرض المنتجات كالأزياء والإكسسوارات وأحيانا شكل الجسد! وكما قال الجاحظ عن الأصنام: "إنها قائمة لا تتحرك، لكنها تحرك الناس". كتاب "الحيوان" و"البيان والتبيين".
المرء يعرف من لباسه.. إلا من لبس ثوب غيره
كم أحترمك أيها المانيكان، وكم أعرف قدرك وقيمتك، ولطالما أعجبت بتقديرك الواقعي لذاتك وأنك وسيلة محددة الهدف ومؤقتة الأجل! تراك سعيد إذا وضعوك على الواجهة فتسمى المانيكان الرئيس، وتفتخر في يوم آخر بأنك أول من لبس الموضة التي نزلت لتوها إلى الأسواق، وتعرف جيدا أنك وسيلة للعرض، وعرضة للمس، ومتى ما أراد الزبون ملابسك فعلى الفور يجردونك منها دونما استئذان ويعطونها لمن يدفع أكثر أو يستفاد منه أكثر، والجميل أنك سعيد ولا تستنكر لأنك تعلم أنك وسيلة لصاحب المعرض ليحقق من وجودك مكاسب على شتى أشكالها! وكما جاء في التراث: "المرء يعرف من لباسه، إلا من لبس ثوب غيره".
المانيكان دون نقابة تأخذ حقه
لا ترد يد لامس، هل لأنك لا تشعر يا مانيكاني العزيز أم أنك صرت عبدا للقمة العيش، أم لأنك تعلم بأن مكانتك مرهونة بإذعانك، ولأن نقابة المانيكانات لن تأخذ لك حقك إن شكوت لهم أن صاحب المعرض لا يتفهم أنك تتحسس من الغبار وأنك لا تحب تركك في مكان مع الزبائن الفضوليين دون رعاية. فيأتي هذا الطفل ويفقس إصبعك، أو ذلك المريض ويشد شعرك أو السرحان الذي يطفئ أعقاب السجائر في جسدك، أو الذي يمسك خدك كأنه يقيس لك الحرارة! وذلك يشدك من كمك ونحن كلنا نعرف أن الكم خط أحمر. طبعا كله مسموح لأنه ضمن المعرض، يعني أخوة وتجارة وزمالة!
لدي سؤال صريح عزيزي المانيكان، عزيزتي المانيكانة، هل فعلا تحبون عملكم المتذبذب هذا؟ أوما رغبتم يوما بأن يدوم عليكم الاستقرار الوظيفي وأن تلبسوا ما تلبسون دون أن يتغير كل يوم على حسب السوق ومزاج صاحب المعرض! أوما كرهتم فترة ما بين اللبسة والأخرى! أم أنكم أدمنتم أن تكونوا أداة فقدت ذاتها؟
ورحم الله أبا العتاهية عندما قال:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها
فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا
ألا يخطر ببالك أن تكون مع صاحب المعرض وأهله عندما يطفؤون الأنوار ويغلقون المعرض ليتعشوا في بيوتهم أو مع أصدقائهم! وقد أودعوك في المخزن أو أبقوك على الفاترينا كي تكمل عملك طوال الليل حتى الصباح دون مراعاة مساميرك الصغيرة ولا مقاومتك للجاذبية طوال اليوم! بماذا تشعر عندما يطفؤون التدفئة لدى مغادرتهم المعرض، كيف تتعايش مع الحر الشديد عندما يطفؤون المكيفات لعدم وجودهم! هل فعلا تكون قادرا على رسم الابتسامة على وجهك وعرض الملابس الأنيقة بأناقة رغم الصفاقة! قال نزار قباني رحمه الله:
ليس الجمالُ بأثوابٍ تزيننا
إن الجمالَ جمالُ العلم والأدبِ
قل لي بربك، هل أنت مقتنع بأن هذا الزي الذي تلبسه يستحق سعره، يستحق موضته، يستحق أن تقف هذه الأيام كلها لأجله! أم أنك تعرف بأنه مجرد ترند مستورد لا يمت لمجتمعاتنا بصلة، وأنه سرعان ما يزول ويكون تخلفا ورجعية وسينسب إليك ولن ينظر إليك الزبائن كما كانوا! ولكن لا تحزن كثيرا فهذا الأمر هو مصيرك المحتوم لأنك مسلوب الإرادة، وقد قال ابن سينا في الحركات القسرية في كتابه الشفاء: "كل ما يتحرك بغيره فليس من ذاته، بل من فاعل فيه".
ألا تشتاق للمانيكانات زملائك الذين تعيش معهم الموسم الكامل ثم فجأة دون سابق إنذار ينقلونهم إلى الفرع الثاني! أو يحيلونهم إلى التقاعد لا لشيء إلا لأن موضتهم تغيرت!
ألا تتمنى أن تحب مانيكانة تشبه روحك وتتزوجها وتنجب أطفالا يملؤون عليك الفاترينة! أم أنك تضحي بكل أحلامك كي تحقق طموحك النفيس وهو أن تكون رئيس مانيكانات المعرض وتلبس الزي الرسمي الذي عليه شعار المحل وتصبح "أيقونة المعرض"!
وهنا يبرز السؤال الوجودي عزيزي المانيكان هل حاولت يوما الإجابة عن سردية وجودك بتحليل ثلاث كلمات: الوجود والهوية والقيمة؟
اقرأ المزيد.. التعليم.. بين الشتات والاستلاب