مدير عام الضمان الاجتماعي سابقا
لا يهم لون القط.. المهم أن يصطاد الفئران
نحو خطوات جريئة نحو رأسمالية الدولة
بينما ينصب تفكير الدول النامية على تبني التدابير والسياسات والإجراءات الكفيلة بجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة وتوجيهها نحو القطاعات الاستراتيجية، سعيا لتحقيق نمو اقتصادي مستدام يخرجها من دوامة التحديات المزمنة، من عجز متكرر في الموازنات العامة، ومديونيات تلتهم يوما بعد يوم حصة متزايدة من الإيرادات، وجيوش من العاطلين ينتظرون انفراجا اقتصاديا يلتفت إلى معاناتهم، فإنه لا ينبغي لهذه الدول أن تغفل عما يجري في أقصى الشرق جنوبا، وفي أقصى الغرب شمالا، من تحولات عميقة تستدعي التوقف عندها واستخلاص العبر.
الولايات المتحدة والارتداد المدروس عن النيوليبرالية
ففي الوقت الذي يتجهم فيه الساسة وصناع القرار في كثير من دول العالم الثالث كلما طرح عليهم إعادة التفكير بدور الدولة في الحياة الاقتصادية، اعتقادا منهم بأن ذلك يشكل خروجا على النهج الليبرالي الذي يتبنونه، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي دشنت بنفسها قواعد المنتظم الليبرالي وأرست أسسه التنظيمية والمؤسسية محليا وعالميا، ثم قادت نسخته المعدلة "النيوليبرالية" في عهد رونالد ريغان، وبالتوازي مع شقيقتها الأيديولوجية والاستراتيجية المملكة المتحدة في عهد مارغريت تاتشر، قد باتت تنظر بقدر متزايد من النفور إلى هذا المنتظم، وتتجه تدريجيا نحو توسيع دور الدولة في الحياة الاقتصادية، ودمجه مع قواعد سوق حر مقيدة ومشروطة بتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة وصون مصالحها الجيوسياسية.
وفي الواقع، لا يمكن إرجاع هذه التحولات إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية فحسب، إذ إن جميع الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على المكتب البيضاوي منذ مطلع القرن الحالي أسهموا، بدرجات متفاوتة، في إطلاق مسار هذا التحول. وتقف وراءه دوافع متعددة، من بينها عوامل بنيوية ممتدة ترتبط بالمحصلات التي أفرزتها عقود من التطبيق العملي والمفرط للنهج الليبرالي، وفي مقدمتها اتساع فجوة الدخول وتآكل الطبقة الوسطى، وذلك على الرغم من أن هذا النهج أسهم في إبقاء تلك الدول على قمة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية عالميا. ويضاف إلى ذلك الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وجائحة كورونا، التي دفعت حكومات غالبية دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإرساء قواعد جديدة تعزز ضوابط السوق، وتدخل الدولة لاعبا رئيسيا فيه، مع تقديم الدعم والحماية للقطاع الخاص بصورة مشروطة بتحقيق المصالح الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية للدولة.
أما الاعتبار الأخير، وربما الأهم، فيتمثل في صعود الصين بتحديثاتها البنيوية المستمرة والمرنة، على نحو جعلها تهديدا اقتصاديا واستراتيجيا مباشرا، واقترابها المتسارع من تقويض الهيمنة الأحادية القطبية للولايات المتحدة. وهي مسألة التفت إليها جميع الرؤساء الأمريكيين خلال العقدين الأخيرين، واتخذ حيالها الرئيس جو بايدن خطوات عملية لمجابهتها، من خلال إعادة بناء القاعدة الصناعية والتكنولوجية الأمريكية، وربط الاقتصاد بالأمن القومي، وتبني سياسة صناعية نشطة، وتسييس سلاسل التوريد، وفرض قيود على التكنولوجيا والاستثمار، وإعادة تموضع الاستثمارات والتجارة مع الحلفاء.
مقاربة ترامب صدامية وتستهدف الصين
وعلى الرغم من اختلافه في النهج والأدوات، وبدرجة أقل في المنطلقات، انتهج ترامب مقاربة أكثر صدامية، استهدفت في إطارها الأساسي الصين، إضافة إلى كل دولة تمتلك تفوقا تجاريا على الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض الحلفاء التاريخيين. كما ربط الامتيازات والحماية التي تمنحها الدولة للشركات الكبرى بمدى امتثالها لتحقيق المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والتجارية الأمريكية، سواء عبر تسهيل حصولها على التعاقدات الحكومية أو حرمانها منها.
ومن الشواهد الدالة على ذلك حصول الحكومة الأمريكية على "السهم الذهبي" في شركة U.S. Steel كشرط للموافقة على استحواذ Nippon Steel عليها، وأبرمت ترتيبات مع Nvidia وAdvanced Micro Devices تمنح بموجبها تراخيص تصدير مقابل حصة من عائدات مبيعات الرقائق المرتبطة بالصين.
كما استحوذت وزارة الدفاع على 15% من MP Materials لتصبح أكبر مساهم فيها، قبل أن تأخذ الحكومة في آب حصة 10% في Intel، في تدخل يعد من أكبر أشكال تدخل الدولة الأمريكية في شركة خاصة منذ إنقاذ صناعة السيارات عقب أزمة 2008.
وبطبيعة الحال، فإن جميع هذه الإرهاصات باتت تحدث تغييرات ملموسة في المنتظم السياسي Political Order للولايات المتحدة، أي في الأسس التي لطالما شكلت أرضية توافق بين مختلف الفرقاء الحزبيين، والتي كانت الاعتبارات الليبرالية والنيوليبرالية تعد فيها مسلمات لا يجوز المساس بها.
الصين تعتمد على هيمنة الدولة على ملكية الشركات الكبرى
في المقابل، تواصل الصين، بوصفها التحدي الاستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة، الاقتراب أكثر من آليات السوق الحرة، ولكن انطلاقا من قاعدة تاريخية قوامها هيمنة الدولة على ملكية الشركات الكبرى والقطاعات الاستراتيجية، ومن نهج بدأ بحيز محدود جدا للسوق، ثم توسع تدريجيا ضمن إطار تنظيمي صارم وبملكية واسعة للدولة في القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يخدم أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية، وربما طموحاتها بالهيمنة على المدى البعيد. ولعل روح الشعار الذي أطلقه الزعيم الصيني السابق دنغ شياو بينغ، "لا يهم لون القط، المهم أن يصطاد الفئران"، تجد صداها اليوم، وبصورة مفارقة، في المسارين الصيني والأمريكي معا.
والمفارقة التي تفرض نفسها في نهاية المطاف أن كلا القطبين يتجهان، كل بطريقته، نحو نقطة التقاء واحدة: رأسمالية الدولة، حيث يسمح للسوق بالتحرك ما دام يخدم المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للدولة. فلا حرج في ملكية الدولة، ولا بأس بتدخلها في توجيه السوق بمختلف الأدوات والسياسات المتاحة، طالما أن الغاية هي خدمة المصالح الوطنية ورفاه المواطنين. في النهاية، ليس المهم لون القط، بل الهم أن يصطاد الفئران.
اليوم، نحن كدول نامية، لا يمكن أن ننأى جانبا عن هذه التحولات، ولا يمكن التشبث بنهج أثبت أنه لا يخدم مصالحنا على النحو الذي نسعى إليه. وفي ظل الحالة منقطعة النظير من عدم اليقين والمخاوف التي تكتنف المستثمرين من القطاع الخاص، فإنه يتوجب على حكومات الدول النامية التدخل بقوة لإنعاش اقتصاداتها واتخاذ خطوات عملية نحو رأسمالية الدولة، وتوجيهها على نحو يخدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية وتلبية احتياجاتها الاجتماعية. فلا ضير أن تقوم الحكومات بنفسها باستحداث المشاريع الإنتاجية والخدمية، وليس فقط تلك المرتبطة بالخدمات الأساسية، وبشراكة مع القطاع الخاص والعمل وفقا لآليات السوق في ذلك النطاق الذي يضمن تحقيق المصالح العليا للدولة، لكن دون اضطلاعها بدور مباشر في إدارتها، وأن تربط الحكومات أي امتيازات تمنحها للقطاع الخاص، بمدى قدرته على تلبية تلك المصالح.