أمام كل هذا الصخب.. لا بد من استعادة المؤسسية

الصورة
مبنى رئاسة الوزراء
مبنى رئاسة الوزراء

حائرون، يفكرون، يتسألون.. من يكون وراء فوضى القرارات العارمة، وأمام كل هذا الغياب المطبق عن الملفات الأساسية وعن اقتصادنا الذي أصبح يسير وفقا لقواعد المركب الشراعي، ربما المكمن الأساسي وراء كل ذلك، هو غياب العمل المؤسسي الذي يتوجب أن يكون أولى أولوياتنا الوطنية، استعادتها، فمن دونه لن يكتب لأي من مسارات التحديث الثلاثة النجاح. 

3 محاور أساسية للوهن المؤسسي

هناك العديد من المعطيات التي لا بد من الاستئناس بها فقط للدلالة على حالة الوهن المؤسسي الذي تدحرجنا اتجاهه على مدار السنوات القليلة الماضية، وجعل من قراراتنا وسياساتنا تبتعد كل البعد عن الدراسة والتمحيص والحجج والبراهين، وهذا الوهن المؤسسي يمكن تأطيره تحت ثلاثة محاور أساسية: 

مفاهيمي 

وهو مرتبط بمدى استيعاب صناع القرار للمهام والاستراتيجيات التي تعهدوا بتنفيذها، على اعتبار أن فهم المطلوب هو ضالة المُطالب. وهنا أستشهد بمداخلات رئيس الوزراء، بالأحرى ذلك الجزء الذي سمح وقتي بالاستماع إليه، تحدث فيها وفي أكثر من مناسبة عن أن أهداف النمو والتشغيل في رؤية التحديث الاقتصادي تتمثل في الوصول إليها في نهايات الإطار الزمني للرؤية. 

ولتجنب الإطالة، فهذه نتيجة خاطئة تماما بدلالة النص الذي تضمنته الرؤية، وهنا استشهد اقتباسا: 

"في ما يتصل بالناتج المحلي الإجمالي، يتمثل الطموح في زيادة الناتج الحقيقي من 30.2 مليار دينار إلى 58.1 مليار دينار، أي بمقدار 27.9 مليار دينار وبنسبة نمو 5.6%". 

وهذا يشير بشكل صريح إلى أن تحقيق الناتج المستهدف يتطلب بالضرورة تحقيق معدل النمو المستهدف من أولى سنوات تنفيذ الرؤية حتى نهايتها. 

كما أشار رئيس الوزراء في آخر مداخلاته إلى خلاصة لافتة بالفعل مفادها بأن الرؤية ذاتها "طموحة" وهو تعبير قد يشير مجازا إلى أنها غير قابلة للتحقيق. 

كل هذه التصريحات لم تكن لتكون لو كان العمل المؤسسي يوضح لصناعي القرار حقيقة وطبيعة المطلوب، ويرشدهم من البداية، وليس بعد مرور 3 سنوات على إطلاقها، إن الرؤية طموحة وكان لا بد من التحقق من درجة الانسجام بين مدخلاتها والنتائج المرجوة منها، طبعا إن صح ذلك. 

مهامي 

وهذا المحور الثاني وله العديد من الدلالات، ليس أولها ولا آخرها تنحي الحكومة ووزاراتها ومؤسساتها المعنية عن تطبيق القواعد التنظيمية التي أوكلت بها بموجب القوانين والأنظمة. 

وأسلط الضوء هنا على غياب الدور الفاعل لوزارة كوزارة الصناعة والتجارة في تنظيم الأنشطة وضبط إيقاعها والتي تندرج ضمن مفهوم "احتكار القلة" والمحمية بموجب القوانين والأنظمة القائمة من فرط المنافسة ومنها من تمتع بهذه الخاصية بفعل اعتبارات هيكلية وممارسات إقصائية. 

فكيف لشركات التبغ برفع أسعارها في ليلة وضحاها وتحميل المستهلكين كلفة قد تصل إلى 100 مليون دينار سنويا أن يمر مرور الكرام وأن يختزل المشهد بتصريح للوزارة مفاده بأنها ستراجع هيكل تكاليف الشركات! والأمر ذاته يندرج على شركات الاتصالات التي رفعت رسومها العام الماضي عنوة وحملت المواطنين ما يقرب 130-150 مليون دينار وكلتا الحالتين تشكل خرقا صريحا لقانون المنافسة، واستنزفت من جيوب المواطنين ما يقرب الربع مليار دينار، حصة الخزينة العامة منها ما يزيد على 100 مليون دينار على شكل ضرائب، وما زالت الحكومة تتحدث عن عدم فرض ضرائب جديدة.

لو كان العمل المؤسسي ممنهجا لما كان كل ذلك الصخب وارتباك المشهد العام تجاه إعادة هيكلة تعرفة الكهرباء لنحصل على خلاصة مفادها أنها ستحقق لقطاع الصناعة وفرا بقيمة 2.5 مليون دينار، وهو ما يعني ضمنا أن تأثير التعرفة الجديد محدود للغاية على عبء الأحمال الذي جاءت التعرفة أساسا لمعالجته. ولما كان لنظام الموارد البشرية أن يخرج بالصورة التي خرج بها بمعالجات جانبية لا تراعي واقع الحال، ويحيد عن المشكلة الأساس التي يعاني منها القطاع العام والمتمثلة بشكل أساسي بآليات العمل ومنظومة الإجراءات وغيرها من القضايا الفنية التي إن عولجت بالطريقة الصحيحة، سنرى إنتاجية أعلى لموظفي القطاع العام. 

تواصلي 

وهو ثالث هذه المحاور، ويرتبط بكيفية إدارة التغيير والتواصل مع كافة المعنيين بأي قرار أو سياسة مستحدثة، وهي مسألة أساسية لا تقل أهمية عن مضامين القرارات والسياسات نفسها. وهي ليست بالمسألة الترفيهية ولا لذر الرماد في العيون، وإنما لأهمية هذا التواصل في عملية بناء الثقة والاستفادة من التغذية الراجعة التي ستسهم بشكل أو بآخر في تجويد المخرج. وهذا بطبيعة الحال يتطلب نهجا مؤسسيا وتضافرا لجهود كافة الجهات والمؤسسات، وليس باختزال المنظومة بأكملها بالاستعانة بإرشادات ثلة من كتاب الأعمدة المغمورين والمتأقصدين الذين ينطلقون في الغالب من مصالح وحسابات شخصية بحتة، وهذه المسألة تدعونا جميعا للضغط باتجاه إعادة بناء الإعلام الاقتصادي المسؤول وترصين حاكميته، ذلك الإعلام الذي أصبح غائبا تماما عن المشهد. 

لا خيار لدينا اليوم إلا العمل على استعادة العمل المؤسسي الضائع، الذي لو كان حاضرا، لما سمح لمن لم يقدم للحاضر، أن يستشرف ويتحدث عن المستقبل! 

اقرأ المزيد.. أين وصلنا في تنفيذ خطط الرؤية الاقتصادية؟

الأكثر قراءة
00:00:00